الباب الأول : القول في أحكام وضع الحركة
1 - يشتهر عند الناس – العامة والطلبة غير المحققين – أن أبا الأسود الدؤلي هو أول من نقط المصحف، ويقصدون من ذلك النقط الذي أصبح جزءا من الحروف بعد، ويسمى نقط الإعجام ( ب – ت – ث – ف – ق – ض – ظ - ... ) وهذا خطأ من هذا الوجه، وبيانه كالآتي :
يصح أن أبا الأسود الدؤلي هو أول من نقط المصحف، ولكنه لم يكن نقط (الإعجام) الذي جعل النقاط جزءا من الحروف، وإنما هو نقط (الإعراب) والذي يظهر به الحرف المفتوح والحرف المضموم والحرف المكسور.
كان الإعراب في بداية أمره بالنقط، وهو أول ما حدث في المصحف، وخلاصة تأريخه أن زياد بن أبيه أمر به أبا الأسود الدؤلي المتوفى سنة 69هـ فانتخب رجل فقال له: ما فتحت شفتي فضع نقطة بأعلى الحرف، وما ضممتهما فضع نقطة أمام الحرف وما كسرتهما فضع نقطة تحت الحرف. ومن كلام أبي الأسود أخذنا قولنا (الفتحة) و (الضمة) و(الكسرة) فتح الشفة وضم الشفة وكسر الشفة.
ومن هنا نعلم أن أول خطأ وقع في القراءة هو خطأ الإعراب، وأن أول نقط وقع هو لضبط الإعراب، أي النحو، وليس كما يشتهر أنه نقط الحروف المعروف الآن، أن الخطأ لم يكن وقع في الحروف وإنما في الإعراب.
وربما سأل سائل فقال: كيف يقع الخطأ من الأعاجم الداخلين في الإسلام في الإعراب أي أواخر الكلام فقط ولا يقع في الحروف وقد كانت خالية من النقط؟!!
الجواب/ أقول – محمد يوسف - بعد التأمل والله تعالى الموفق للحق : تتضح منطقية ذلك بالتأمل التاريخي لمراحل وقوع اللحن، فالمسلمون الجدد من الأعاجم ورغم وقوع اللحن منهم ورغم ما نعرفه تاريخيا عن هذه الأحداث فإن تلقيهم للقرآن لم يكن كذلك يؤخذ من المصاحف ابتداء كما هو أغلب الناس في زماننا، إذا ما قرؤوا سطرا واحدا؛ وإنما هم يتلقون كما كان الصحابة يتلقون، ولكن التلقي لم يكفهم مع عجمتهم واعتمادهم النوعي – أي بنسبة – على المصاحف، فلم يخطئوا في الحروف نفسها أي في التاء والباء والثاء والقاف والفاء والصاد والضاد والطاء والظاء.. ولكنهم أخطأوا كما نخطئ نحن اليوم في الإعراب، أي بسبب عدم علمنا بالنحو وعدم ممارستنا للنطق الصحيح، أما الحروف غير المنقوطة فقد كانوا يقرؤونها كما نقرأ نحن اليوم الحروف المنقوطة، لأنهم كانت لديهم نسبة من التقي تكفيهم في ذلك. وعلى كل حال فإن الحال لم يدم على ذلك أكثر من سنوات قليلة، هي عشرون سنة بالتقريب الصوري لا بالتحديد، فوقع الخطأ في الحروف أيضا.
وقع نقط الحروف (نقط الإعجام) من خلال رجلين هما نصر بن عاصم الليثي المتوفى عام 89هـ ويحيى بن يعمر العدواني المتوفى عام 90هـ حيث أمرهما به الحجاج بن يوسف الثقفي امتثالا لأمر أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان.
ولقائل أن يقول : وهذا يعني أن الكلمة صارت مليئة بالنقاط، نقط أبي الأسود للإعراب ونقط الرجلين للإعجام. أقول: نعم قد كان بالفعل، ولأجل تحاشي تداخل النقط فقد استعملوا الألوان فيها، فجعلوا نقط أبي الأسود باللون الأحمر ليتميز، ثم تركوا نقط الإعجام على لون الحروف لأنه لم يلتبس بها، وقد صار هذا النقط جزءا من الحروف، وأنت الآن لا ترى في آخر المصحف أي ذكر لضبط الحروف كما يضعون لك ضبط التنوين والشدة والسكون.. إلخ لأن نقط الحروف قد صار جزءا من الحروف نفسها فلا تكتب إلا به، وحتى أن الأطفال يعلمون الحروف بنقاطها، وكثير من الناس بل من المثقفين أصحاب المؤهلات العالي لا يعلمون أن الحروف التي يقرؤون منها يوميا كميات كبيرة لسنوات طويلة كانت يوما دون تلك النقاط.
وقد استقر الوضع فترة أكبر على هذه الصورة لضبط المصاحف.. كلها نقاط.. ولكنها ملونة.. ويمكن الاطلاع على صور العديد من المصاحف الباقية من هذه الفترة.
ثم جاء الخليل بن أحمد الفراهيدي المتوفى عام 170 هجرية، أي أنه بعيد نوعا عن فترة النقط سواء للإعراب أو للإعجام، ولا دخل له في هذا النقط بحال، بل الخليل بن أحمد لم يفعل أي شيء في المصاحف، وإنما جاء من بعده واستعملوا علمه وطوروه واستعملوه في المصاحف.
كان الخليل بن أحمد رضي الله عنه يستعمل إشارات خاصة لإعراب في كتبه الخاصة وفي الشعر، فكان يجعل الفتحة ألفا صغيرة نائمة فوق الحرف، والضمة واوا صغيرة، والكسرة ياء صغيرة تحت الحرف.
وكان ما نسب للخليل من علاماته عشرة علامات :
الفتحة : ألفا صغيرة مبطوحة فوق الحرف.
الضمة : واوا صغيرة فوق الحرف أو بجواره. والمغربة حذفوا رأسها فصارت كالدال، وأبقى المشارقة عليها كما هي.
الكسرة : ياء صغيرة تحت الحرف. ولكن أتباع الخليل طوروها وجعلوها كالألف في الفتحة، أي على صورتها لدينا الآن.
الشدة : وهي رأس شين وهي أول حرف من كلمة (شدّد) جريا على طريقة العرب في الاختصار بأول حرف من الكلمة.
علامة السكون : وهي رأس خاء وهي أول مرف من كلمة (خفّف)
الهمزة : وهي رأس عين صغيرة، ولم تكن موجودة من قبل، بل كانت ترسم نقطة صفراء أو حمراء أو تكتب الفا وبما تؤول إليه (رشيد: عندي مصحف مغربي تكتب فيه الهمزة نقطة بالقلم الذهبي)
علامة ألف الوصل : وهي رأس صاد (صـ) وهي معروفة ولكن قليل من يدرك أنها رأس صاد.
علامة المد : وترسم كما هي على الألف بين القوسين (آ) وهي في أصلها كلمة (مد) ممطوطة بحرف ميم وجزء صغير من الدال، ثم حذفت الميم وابقي على المطة مع جزء الدال فصارت على تلك الهيئة.
الروم : وهو خط بين يدي الحرف
الإشمام : وهو نقطة
ومما ينبغي أن نلاحظه أن هذه العلامات ليست خالصة صرفة للخليل بن أحمد، بل هو مؤسسها وقد قام أتباعه بتطويرها، ومن ذلك تحويل الياء الصغيرة إلى ألف مبطوحة تحت الكلمة كألف الفتح. ولذلك فلو فتحت التعريف بالمصحف المطبوع في آخر المصاحف المنتشرة لدينا في المشرق لا تجدهم يقتصرون على نسبة العلامات للخليل بن أحمد بل يقولون : (الخليل بن أحمد وأتباعه من المشارقة) ذلك أن العلامات المألوفة لدينا الآن هي له ولمدرسته المشرقية وليست له خالصة، ولو راعينا ما كان له خالصا لارتبك الناس.
وهكذا يكتمل لدينا إجمال المراحل التاريخية لضبط المصحف. (ملحوظة: لا أستسيغ عبارة ضبط المصحف، وإنما أفضل استعمال قولي وضع النقط أو وضع التشكيل أو الإضافة وما يشتق منها).
2 - التفسير في تكرار الحركة في التنوين هو من وجهة نظر المؤلف – التنسي – كالآتي : النون إما أن تكون أصلية في الكلمة وهذه تكتب ظاهرة لا إشكال فيها، وإما أن تكون متولدة عن نطق التنوين، ولا ترسم نونا لأنها تنوين وليست بنون ولا تختلط بها، لما اختلفت عنها في التعبير اختلفت عنها في الخط كذلك، فرسمت الأولى ولم ترسم الثانية، فاحتاج أهل الضبط إلى ما يدل عليها لعدم رسمها بعينها، فكان الأصل فيها أن ترسم فوق حرفها علامة السكون لأنها ساكنة، ولكن لما كان ترك العلامة هو علامة السكون في الحروف فسينكسر الاطراد لو وضعت علامة السكون للدلالة على نون التنوين، فكان أن كرروا حركة الحرف للدلالة على نون التنوين الملاصقة.
قال التنسي : (هذا أشبه ما يوجه به...) ثم أورد غيره..
3 - لما جعل الخليل بن أحمد علامة الضمة واوا صغيرة، فقد حذف المغاربة رأسها فصارت كالدال، بينما أبقاها المشارقة كما هي. (محمد : عندي مصحف مغربي ترسم فيه الضمة محذوفة الرأس قريبة من الدال وتؤدي إلى الاشتباه لدى المشارقة)
4 - الأصل في مكان واو الضمة أن تكتب فوق الحرف أو أمامه على التخيير، واختار المبرد وجماعة أن تكتب فوق حتى لا تلتبس بالواو المتلوة، وهناك وجه ثالث ضعيف قد ضعفه أهل الضبط وهو أن توضع في نفس الكلمة، ووجه الضعف أنه يؤدي إلى الالتباس بكون الواو من ذات الكلمة.
وهناك قول كذلك ضعيف في وضع الفتحة أمام الحرف، وهو لشدة ضعفه لم يذكره الناظم.
5 - وجه جعلهم علامة التنوين على الألف في التنوين بالفتح، هو أن التنوين ملازم للحرف المنون، والألف هو علامة التنوين في الوقف وأما علامة التنوين فهي علامته في الوصل، وكان إما أن نضع التنوين على الحرف المنون أو نضعه على الألف، فلو وضعناه على الحرف فهذا سيخلي الألف وقد يتوهم فيها الزيادة أي أنها زائدة إذ إنها لا وجود لها في الوصل مما يوهم زيادتها مطلقا، ولو وضعناها على الألف زال هذا الاحتمال وبقي الحرف خاليا عن العلامة أو الحركة، وإن أقصى ما يمكن أن يوهمه ذلك هو أن الحرف ساكن، ولكن يزول هذا الخطر بمنع التقاء الساكنين إذ يستحيل في لغة العرب أن يلتقي ساكن الحرف مع ساكن التنوين فسيتحرك الحرف حتما فزال الخطر، فوضعت العلامة على الألف، وهو اختيار الداني وأبي داوود وأبي محمد اليزيدي وعليه عمل الجمهور.
6 - إذا كتبت الألف على صورة الياء كما في (ما هذا إلا سحر مفترى) فتوضع العلامة على الألف التي بصورة الياء، ولا تضاف ألف أخرى لأن النقط مبنيا على الوصل ولا يصلح هنا لعدم التقاء الساكنين.
وهذا الرسم هو بإجماع المصاحف فلا خلاف فيه، وإنما الخلاف هو في الألف الموجودة في اللفظ وقفا، فقال المازني هي ألف التنوين مطلقا، وقال الكسائي هي المنقلبة عن الياء مطلقا، وقال الكسائي بالتفصيل ففي المنصوب هي الف التنوين، وفي غيره هي المنقلبة عن الياء.
7 - وضع علامة التنوين على الألف هو مذهب الجمهور والداني وأبي داوود وأبي محمد اليزيد والكتّاب، وللخليل وسيبويه والنحاة مذهب آخر هو وضع العلامة على الحرف لا على الألف. ووجه هذا القول هو أن الحرف محرك فلزم وضع حركته عليه وهي نصف ما نعرفه بعلامة التنوين، ثم يلزم إلحاق حركة التنوين بحركة الحرف حيث لا يفترقا، فيستأثر الحرف بعلامة التنوين كاملة ويخلو منها الألف. وهذا القول هو الذي يجري به العمل في المصاحف.
وفي المسألة قولان آخران أحدهما الفصل بين الحركتين في علامة التنوين، فتوضع إحداهما على الحرف والأخرى على الألف، والثاني توضع حركة الفتح على الحرف ويتوضع علامة التنوين كلاملة بالحركتين على الألف. وفي هذين القولين يقول أبو عمرو الداني: "وذهب إلى هذين المذهبين قوم من متأخري النقاط، لا إمام لهم فيما علمناه" .
8 - التنوين في (لنسفعا...) (وليكونا...) هو في أصله نون توكيد خفيفة تتصل بالأفعال، ولكن لما كانت ساكنة في طرف الكلمة ملازمة للحركة ويوقف عليها بالألف بعد الفتح فأشبهت التنوين فرسمت تنوينا في المصاحف.
9 - كلمة (إذا) اختلف في تحريرها أهل العربية مع اتفاقهم أنها تكتبت في القرآن ألفا لمجيء رسم القرآن على هذا، ولكنهم اختلفوا في كتبها خارج القرآن أتكتب بالنون هكذا (إذن) أم تكتب بالألف هكذا (إذا).
فمن كتبها بالنون – أي في غير القرآن – فهو يرى أن هذه الكلمة حرف ، وأن نونها أصلية وأن التنوين لا مكان له هنا أصلا، وينبغي أن تكتب نونا، ولكنها كتبت في القرآن فقط بالتنوين لأنها أشبهت النون الخفيفة في كونها ساكنة في الطرف ومفتوحا ما قبلها ويوقف عليها بالألف، وعلى هذا يستثنون كتابتها في القرآن فقط، أما في غير القرآن فتكتب على نونها الأصلية هكذا (إذن). وهذا مذهب الجمهور.
وأما من كتبها بالألف – أي في القرآن وفي غير القرآن – فهو لا يرى فيها النون أصلا وإنما هو تنوين العوض، لأن الكلمة عنده ظرف لازم للإضافة ولما حذف ما أضيف إليه لحقه تنوين العوض، فكانت الكلمة منونة فتكتب بتنوينها كأية كلمة منونة هكذا (إذا).
وقد نقل الإمام السيوطي في كتبه الإتقان هذا القول عن شيخه الكافيجي واستحسنه. وقد رجح كتابتها بالألف خلافا للجمهور فقال: (الإجماع في القرآن على الوقف عليها وكتابتها بالألف دليل على أنها اسم منون لا حرف آخره نون).

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق