‏إظهار الرسائل ذات التسميات باب دراسة علوم القران والتفسير. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات باب دراسة علوم القران والتفسير. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 22 فبراير 2012

العلوم الشرعية بين المتون والملكات

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وبعد..

فلما كنت أبدأ في دراسة أي علم من العلوم الشرعية الشريفة، كنت أرى فيه نوعا من الصعوبة، ضرورة أني أنطلق فيه من نقطة الصفر كما يقال، وكانت تنتابني حالات من الضيق والشعور بوعورة هذا العلم، حتى كأني أشعر أن المتن المدروس هو بحر لا يتناهى سالكه إلى شاطئه. وهذا الشعور ربما كان شعوا إيجابيا لأنه يدفع النفس إلى تلقي العلم بنوع استعظام وتقدير.
سوى أنه بمجرد الانتهاء من أبواب المتن المدروس، وبمجرد استحضار الذهن لأبوابه من خلال قراءة أكثر من شرح عليه،وبمجرد أن تنحصر المادة الرئيسية لهذا العلم بين عيني الدارس يقع له واحد من أحد شعورين:

إما أن يشعر بامتلاكه لهذا الفن، وأنه قد تقدم فيه، وأنه صار بين عينيه، وهذا طالب قد غررت به نفسه، ذلك لأنه لم يحصل (العلم) كما ظن، وإنما حصل نتائج هذا العلم التي وضعها له العلماء جاهزة سائغة في أبواب هذا المتن المختصر، لتكن له مدخلا لا منتها. فمتن "الخريدة البهية" في عقيدة أهل السنة مَن حَفِظَه وقرأ شروحا عليه فإنه يكون قد وقف على رؤوس عقائد أهل السنة، لكنه لا يكون قد حصلت له الملكة بعد، والتي يستطيع من خلالها التنظير على صحة هذه العقائد والاستدلال عليها.

وإما أن يشعر الطالب شعورا آخر إيجابيا، وهو أنه ما حصّل من المتن إلا مسائل واضحة مبتدأة منتهية لا تصلح أن تكون مجالا للتفاضل بين الدارسين لهذا العلم، فإنه لو كان العلم هو هذا الذي حواه المتن فما الذي يجعله علما تتفاوت فيه الملكات؟

كثيرا ما خطر هذا السؤال في نفسي: إنه بمجرد أن أحصل متنا من المتون في علم شرعي شريفـ وأطبقه وأناقشه مع بعض المهتمين، يقال إنه (يتخصص) في هذا العلم؟! وما بال الناس يقولون إن فلانا متخصص في أصول الفقه لو درس وحفظ مثلا متن الورقات للجويني؟

لم أقنع في نفسي بهذا التقسيم، لأن تحصيل متن من المتون في أي علم من العلوم هو تحصيل لـ (علم منظم) يعني مسائل مبتدأة منتهية، مغلقة الأقواس، كعلوم الطب والتشريح والحساب، من شأن من يملك عقلا سليما أن يحصلها، فهو محصل لها بالفعل أو بالقوة القريبة، فلا يعني فهمُها بالفعل أن فلانا بلغ منزلة في العلم، وإنما يبلغها إن تمكن في هذا العلم، وطالت فيه أعوامه، وأنتج نتاجه الخاص، فلخص هذا النتاج في متون كما فعل أسلافه، كله بشرطه الذي لا يسع له هذا الاختصار.

لذلك فكثيرا جدا ما نظرت إلى بعض المتخصصين في علوم أخرى من علوم الدنيا، وقلت في نفسي: هذا أظنه يمكن من فهم واستيعاب وحفظ متون كذا وكذا في أصول الفقه في فترة وجيزة كشهر، وباستيعاب كامل.

نعم، إن التمايز لا يقع بتحصيل المتون التي هي علم (منظم) أو (أكاديمي) كما يسمى. إن متن "نور الإيضاح" للشرنبلالي، أو متن "المختار للفتوى للموصلي في فقه الإمام أبي حنيفة، وإن متن "مختصر المنار" لطاهر بن حبيب الحلبي، أو حتى أصله "منار الأنوار" للإمام النسفي في أصول الفقه- أنا أجزم بإمكانية شرح هذه المتون وقابلية استيعابها لكل ذي عقل سليم، دون نوع ملكات خاصة إلا لو كان ثمة خلل في سلامة العقل أو الطبع تدفع به عن هذه المتون التي لا تقبل سوى العقول السليمة. فذو العقل السليم إذا استقر في المجلس وقرر استيعاب المتن فيحصله غالبا إن انقطع عن الشواغل التي تشغل عن أية دراسة، لكنه لن يتجاوز في هذا العلم حد (المعلومات) و (المسائل) التي سطرت له في المتن، والتي هي خلاصة جهد العلماء المجتهدين الذين عصروا العلم عصرا واستخرجوا خلاصته وجمدوها في هذه المتون التي تعد بوابة يلزم العبور منها على كل سالك لطريق العلم.

فالخلاصة إذا : المتون أساس العلوم، فلا يقع بها التفاضل بين المشتغلين بالعلم، حيث الجميع على أقدام متقاربة أو متساوية في تحصيلها، فلولاها ما كان بناء من الأصل. وهذا كان قد تحصل في نفسي من خلال شعوره ومراقبة نتاج أهل العلم الذين بلغوا مرتبة في علومهم، لا نراهم يتنافسون بأصول متون، ولا يُمدحون بتفوقهم على غيرهم بتحصيل أسس علومهم، إلى أن وقفت على ما يؤيده نصا من كلام الزمخشري رحمه الله تعالى من خلال ما كتبه في مقدمة تفسيره "الكشاف" فقال:

(اعلم ان متن كل علم وعمود كل صناعة طبقات العلماء فيه متدانية وأقدام الصناع فيه متقاربة أو متساوية إن سبق العالم العالم لم يسبقه إلا بخطا يسيرة أو تقدم الصانع الصانع لم يتقدمه إلا بمسافة قصيرة وإنما الذي تباينت فيه الرتب وتحاكت فيه الركب ووقع فيه الاستباق والتناضل وعظم فيه التفاوت والتفاضل حتى انتهى الأمر إلى أمد من الوهم متباعد وترقى إلى أن عد ألف بواحد ما في العلوم والصناعات من محاسن النكت والفقر ومن لطائف معان يدق فيها مباحث للفكر ومن غوامض أسرار محتجبة وراء أستار لا يكشف عنها من الخاصة إلا أوحدهم وأخصهم وإلا واسطتهم وفصهم وعامتهم عماة عن إدراك حقائقها بأحداقهم عناة في يد التقليد لا يمن عليهم بجز نواصيهم واطلاقهم‏.‏

ثم إن أملأ العلوم بما يغمر القرائح وأنهضها بما يبهر الألباب القوارح من غرائب نكت يلطف مسلكها ومستودعات أسرار يدق سلكها علم التفسير الذي لا يتم لتعاطيه وإجالة النظر فيه كل ذي علم كما ذكر الجاحظ في كتاب نظم القراَن.

فالفقيه وإن برز على الأقران في علم الفتاوى والأحكام والمتكلم وإن بز أهل الدنيا في صناعة الكلام وحافظ القصص والأخبار وان كان من ابن القرية أحفظ والواعظ وان كان من الحسن البصري أوعظ والنحوي وان كان أنحى من سيبويه واللغوي وإن علك اللغات بقوة لحييه لا يتصدى منهم أحد لسلوك تلك الطرائق ولا يغوص على شيء من تلك الحقائق إلا رجل قد برع في علمين مختصين بالقرآن وهما: علم المعاني وعلم البيان وتمهل في ارتيادهما آونة، وتعب في التنقير عنهما أزمنة، وبعثته على تتبع مظانهما همة في معرفة لطائف حجة الله، وحرص على استيضاح معجزة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد أن يكون آخِذًا من سائر العلوم بحظ، جامعاً بين أمرين: تحقيق وحفظ، كثير المطالعات، طويل المراجعات، قد رجع زماناً ورجع إليه، ورد ورد عليه، فارساً في علم الإعراب، مقدماَ في حملة الكتاب، وكان مع ذلك مسترسل الطبيعة، منقادها، مشتعل القريحة ،وقادها، يقظان النفس، دراكاً للمحة وإن لطف شأنها، منتبهاً على الرمزة وان خفى مكانها، لا كزا جاسياً، ولا غليظاً جافياً، متصرفاً ذا دراية بأساليب النظم والنثر، مرتاضاً غير ريض بتلقيح بنات الفكر، قد علم كيف يرتب الكلام، ويؤلف، وكيف ينظم ويرصف، طالما دفع إلى مضايقه ووقع في مضاحضه ومزالقه‏.‏
) ا.هـ

فالطالب الذي يغره فهمه لمتن من المتون واستيعابه لأسس علم من العلوم فيظن نفسه قد بلغ فيه مبلغا لا يساعده على البقاء فيه سوى جهل البيئة من حوله.. هذا الطالب ربما ينبهه ويوقظه من سكرته أن يتصور أن أي إنسان سليم العقل يملك شيئا من الصبر فإنه يحصل ما حصل، فلا يكون اغتراره إذا سوى بسلامة عقله، ويا سخرية من متفاخر يتفاخر بعقل سليم على من ابتلاهم الله بخلل الدماغ. فليس يتفاخر بشيء أقدم عليه.سوى قدرة محدودة وجهد مستطاع شائع.

يبرز ذلك الأمر جليا في "علوم البلاغة" ، حيث إن تلك العلوم هي في أصلها ملكات، ودون تصور الملكات الشعورية فيها لا يمكن تصور تحقق ماهيتها وإن تحققت بعض أجزائها كمسائل مفهومة في ذهن الطالب، وهي في ذلك تخالف سائر العلوم الشريفة، فصحيح أن الجميع يتفق في أن المتون أبواب للعلوم، ومن ثم يغوص الطالب وتتكون الملكات، إلا أن علوم البلاغة هي في ذاتها ملكات شعورية، فلو توقف الطالب في مرحلة منها لا يكون قد استفاد (بلاغة) في الحقيقة، ولو بقدر، بخلاف سائر العلوم كالفقه، وكأصول الفقه؛ فإن مجرد (فهم) المسائل ولو إلى مرحلة معينة دون حصول ملكة هو جزء من ماهية الفقه، ويقال إن الشخص قد حصل فقها، أما البلاغة فلا يبدأ حصول ماهيتها إلا متأخر جدا، وهو عند حصول الملكات، فبقدر ما يتحصل من الملكة يكون تحصُّل البلاغة ذاتها، وقبل ذلك هي (معارف) و (معلومات) كأن يعرف أن قولنا (محمد كالأسد) هو تشبيه لجود أداة الإشارة، وكتفريقه بين التشبيه والاستعارة وفق صياغة الشروح، فهذه معارف ودراية بمسائل، لكنها لا تكون (بلاغة) لارتباطها بالملكة والشعور، وأنى أن يعتبر الشاعر العربي من حصل تلك المعارف قد حصل بلاغة!..

ولا يمنع كون تلك المعارف (شرطا) لحصول الملكات، لكن الشرط كما هو معروف، خارج عن ماهية الشيء، ولا يلزم من حدوثه الحدوث، وإن لزم من عدمه العدم.

ولأجل ذلك فقد راقني جدا تعبير شيخ البلاغيين العصريين الأستاذ محمد محمد أبي موسى، لما وصف في مقدمة بعض كتبه الرائقة متون البلاغة كلها – حتى تلخيص المفتاح – بأنها متون للمبتدئين! تقريرا منه أن هذه المتون وإن تعددت مراحلها وتدرجت في الرتبة فلن تكون إلا للمبتدئين، حتى يحصل الحس البلاغي بالتوغل والمعايشة في دواوين العرب ولا سيما الشعر الجاهلي.

وهو آخر ما قصدت تقييده من الخاطر، والحمد لله رب العالمين.

كتبه/ محمد يوسف رشيد
26/1/2012م


السبت، 12 مارس 2011

الموانع الخمسة/ االمانع الخامس : عدم الوعي بأسلوب القرآن



المانع الخامس
عدم الوعي بأسلوب القرآن
   (وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى قال ياموسى...) [القصص:20]
   (وجاء من أقصا المدينة رجل يسعى قال يا قوم...) [يس:20]
   (وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه...) [غافر:28]
   رجل من أقصى المدينة..! ومن أقصى المدينة رجل..! ورجل مؤمن..!
   من هم؟ لماذا لم يذكر الله تعالى أسماءهم؟!! وهل كان أسماؤهم تأخذ حيزا كبيرا؟.. إنه ربما أخذت مساحة أقل..!
   لقد قال الله تبت يدا أبي لهب.. فلماذالم يقل: تبت يدا رجل من قريش؟ ماالفارق؟
   (فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى...) [البقرة:73]
   ما هو هذا الجزء من البقرة الذي ضربوا به الميت؟ لماذا لم يذكره الله؟
   (والذين أتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك، ومن الأحزاب من ينكر بعضه...) [الرعد:36]
   ما هو هذا البعض تحديدا؟ لماذا لم يذكره الله؟
   كم عدد أصحاب الكهف؟.. وما هي أسماؤهم؟
   ما هو لون كلبهم؟
   النملة التي كلمت سليمان ذكرا كانت أم أنثى؟
   كيف كانت وفاة عيسى؟ كيف رفعه الله إليه؟
   لماذا لم يحدثنا الله تعالى عن كل ذلك؟
   أشعر أن القصة الواحدة تتكرر في القرآن بطرق مختلفة، بل بأحداث مختلفة! وبكلام مختلف يقوله أصحاب القصة في كل مرة! مما يظهر أنه تناقض.. فلو قال لي شخص ملحد أو غير مسلم: إن قرآنك متناقض، ما استطعت أن أرد عليه.. ما الأمر؟
   يقولون إن كل العلوم موجودة في القرآن.. فلماذا لو فتحت المصحف لا أجد مادة هذه العلوم مقسمة إلى فصول وأبواب، بحيث أستطيع أن أصل إليها بسهولة؟
   يقولون إن القرآن يعرض التاريخ.. ولكنني لا أجد  عرضا كاملا للتاريخ، بل أجد أجزاء صغيرة موزعة بين الآيات بحيث لا تعتبر مادة تاريخية كاملة..!
   يقولون إن القانون القرآني لابد وأن يحكم العالم، ولكني لا أرى نصوصا قانونية، بل أرى نصوصا وعظية فيها أحكام.. فهل هذا هو النص القانوني القرآني الذي يمكن أن أقيم على أساسه المحاكم؟
   وأخيرا.. هل أشعر أن القرآن قد تناثرت الموضوعات فيه بشكل غير مرتب في مألوفنا وكأنها تحتاج إلى جمع وترتيب؟
   هل قلقت مرة وأنت تقرأ القرآن من أنك ترى الخطاب من الله تعالى ثم يظهر وكأنه سبحانه يخاطب آخرين وكأن الكلام غير متناسق؟... لقد أخبرني صديق يوما أن أحد الشباب صرح له بأنه يشعر أن أحدا غير الله هو الذي يتكلم في القرآن..! فهل عندك نفس الشعور ولكنك لا تصرح به؟
   وأنت تقرأ الفاتحة.. أليس القرآن كلام الله؟ فكيف يقول الله إذا: إياك نعبد وإياك نستعين؟!! وهل الله يعبد أحدا ويستعين به؟ أم أن أحدا غير الله يتكلم بالقرآن؟!
   هل طرأت هذه التساؤلات أو بعضها على ذهنك؟.. وهل تخاف أن تبوح بها حتى لا تقع في الكفر؟.. حسنا، ولكن على كل حال لن ينفعنا السكوت عن هواجس وخطابات تحدث بالفعل داخل النفس، فالكتمان لن يغير من الأمر شيئا، ولابد من أن نصارح أنفسنا إن أردنا أن نحل الإشكال، ولا مانع كذلك من مصارحة غيرنا ممن يمكنه مساعدتنا في الحل. إن الاعتراف بالداء هو أول طريق الشفاء.
   هل تعرف ما هي المشكلة؟
   إن المشكلة التي نعيشها اليوم هي أننا لا نفهم (أسلوب القرآن )..
   إننا نفتح المصحف لنجد هذا الكتاب متوسط الحجم قد تم تقسيمه إلى 114 وحدة، وهذه الوحدات تسمى (السور) وتتفاوت فيما بينها تفاوتا شديدا في المساحة، ولا تكاد تستطيع أن تقف على موضوع واحد بعينه تناولته هذه السورة أو تلك خاص لو كانت السورة طويلة، بل القرآن كله متشابه... إلخ تلك المشكلات.
   إن المشكلة هي أننا لا نفهم أسلوب القرآن، ولكننا لا نصرح بهذا، ونفضل السكوت، ويساعد على السكوت أمران:
   الأمر الأول : هو أن قدسية القرآن تمنع من ذكر هواجس النفس واستشكالاتها على الأسلوب القرآني.
   فقدسية القرآن كما أنها تمنع من محاولة الفهم ابتداء كما تناولنا في السبب الأول، فإنها تمنع كذلك من التصريح بالاستشكالات لمن حاول أن يفهم القرآن ثم اصطدم في أسلوبه.
   الأمر الثاني : هو أن القارئ يحصل على بعض الفوائد والحكم المتناثرة في القرآن، وهذا سيحصل عليه حتما أي شخص يقرأ القرآن، فيقنع نفسه بها، وأنها هي كل الفائدة التي يرجوها من قراءة القرآن، في حين أنها فقط بعض المعارف القرآنية التي يتحصل عليها كل من يقرأ القرآن، بحكم أنه سيفهم بعض الآيات هناك وهناك حتى وإن فقد سياق السورة، ولكنه لن يفهم القرآن الفهم الأصلي الكامل المتماسك، الذي أنزل الله تعالى القرآن لكي نفهمه به، إلا بالتعامل مع السورة كوحدة واحدة متماسكة مترابطة في سياق واحد من أولها إلى آخرها، وتحمل شخصية معينة تتميز بها عن الشخصيات القرآنية الأخرى.
   الواقع هو أننا نعيش مشكلة كبيرة جدا مع أسلوب القرآن.. إن الدعاة إلى الإسلام يطلبون من الناس أن يفهموا القرآن وأن يعيشوا به في حياتهم، ولكن.. ماذا يفعل الناس لو كان أسلوب القرآن غريبا عليهم؟ ماذا لو كان مختلفا عن الأسلوب الذي يتلقون به العلوم والمعلومات من كتبهم العادية؟.. إنه يختلف عنها في كل شيء!
   كثير من الناس لو اطمأنوا لنا وصدقوا في تشخيص المشكلة لقالوا : إننا نكتفي من قراءة القرآن بالأجر على مجرد القراءة، وبالشعور الجميل تجاهه، وببعض المعاني المتناثرة التي نفهمها من القرآن دون جمع للمعاني، ودون ترتيب لها في سياق السور القرآنية..
   أليست هذه هي الكلمات التي ستقولها أنت – عزيزي القارئ - لو صارحتنا بحقيقة ما تشعر به تجاه القرآن ؟.. إن الأمر يحتاج إلى علاج.
   العلاج :
   إنني أجدني الآن في مشكلة ليست بالهينة، فهذه المشكلة الخامسة والأخيرة ليست مشكلة فردية كالمشكلات السابقة، بحيث يمكننا استعراض المشكلة ثم استعراض علاجها ، إنني أمام مشكلة تتركب من مشكلات متعددة .
   إننا حينما نقول إن المشكلة هي عدم فهم أسلوب القرآن، فنحن أمام مشكلات وليست مشكلة واحدة؛ لأن أسلوب القرآن يتكون من عدة صور مختلفة من استخدمات اللغة، وكل صورة من هذه الصور تحتاج إلى أن نتعرف عليها وأن نتدرب على فهمها.
   وإننا لا أملك في هذا الكتاب الصغير أن نتناول أشكال أو صور الأسلوب القرآني بحيث نقدم الحلول التفصيلية لكل منها، والذي أملكه في هذا الكتاب هو أن أقدم بعض النماذج من صور أسلوب القرآن، على سبيل التمثيل لا الحصر، وأن أقدم كيفية علاجها لا تفصيل العلاج ذاته، والله تعالى أسأل أن يتم لنا صالح الأعمال.
   تلاحظ في القصص القرآني أن الله تعالى لا يورد أسماء بعض الشخصيات على الرغم من أن ذكر الاسم لا يستغرق مساحة من القرآن، بل في بعض المواطن تستغرق الأسماء مساحة أقل.. كذلك ترى أن الله تعالى يذكر أفعالا ولا يذكر كيفيتها، كتوفيه تعالى لسيدنا عيسى ورفعه إليه، فقد عرفنا أنه قد وقع الفعل، ولم يخبرنا الله عن كيفية الوقوع..كذلك لم يبيّن الله تعالى لون الكلب الذي كان مع أهل الكهف على الرغم من أنه ذكر الطرق التي في الجبال وأنها بيض وسود وحمر، وذكر الألوان في مواضع أخرى.. وكذلك نرى القصة تتكرر بكلام مختلف في كل مرة، وكأنها قصة أخرى تماما!
   إن هذا يحتاج منا أن نعرف عن (منهج القصة) في القرآن.. فالقصة في القرآن لها منهج مختلف تماما عن القصة في أي كتاب آخر أو القصة عند الناس. فعلينا هنا أن نسأل أهل العلم بالقرآن عن طبيعة القصة في القرآن أو أن نقرأ كتابا موثوقا به في منهج القصة.
   وملخص منهج القصة دون تفصيل أن القرآن التزم فيها ما يتوقف عليه الغرض المراد من القصة، أي لا تأتي معلومة في القصة إلا لو كانت مفيدة في موضوع القصة في هذا الموضع تحديدا.. لذلك لا يذكر الله تعالى بعض الأسماء؛ لأن معرفة هذه الأسماء لا يفيدنا.
   فماذا نستفيد لوعرفنا اسم الرجل المؤمن من آل فرعون والذي يكتم إيمانه ؟..لا نستفيد شيئا ، إنه رجل مؤمن من آل فرعون.. وهذه المعلومة كافية في هذا السياق ولا نحتاج إلى غيرها.. في حين أن الله تعالى يذكر أسماء الأنبياء في القصة لأن معرفة أسمائهم شيء مهم، وهو أمر مطلوب في الإيمان بالأنبياء والتأسي بهم واتباعهم.
   وعلى هذه القاعدة أيضا لم يذكر الله تعالى كيف توفى سيدنا عيسى وكيف رفعه إليه، لأن المقام هنا لا يحتاج إلى ذلك، بل يكفي ما يوضح أن الله تعالى قد نجى نبيه عيسى عليه السلام منهم، فتوفاه ورفعه إليه، وهذا هو فقط المراد بيانه في الموضوع كله.. في حين أن الله تعالى قد ذكر دقائق وتفاصيل بعض المعجزات الأخرى، كما في قصة الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها، فقد ذكر الله تعالى تفاصيل إحياء العظام كيف ينشزها ثم يكسوها لحما، وفي نفس القصة لم نعرف اسم الرجل!
   وكما في قصة إحياء الطير لنبي الله ابراهيم عليه السلام، فقد ذكر الله تفاصيل توزيع الطير على الجبال، ثم دعوة إبراهيم للطير أن يأتوه، وذكر كيفية الإتيان وأنها بالسعي، ولم يذكر سبحانه أنواع هذا الطير إن كان نعاما أو نوارس أو بجعات أو غير ذلك!
   إنها قاعدة توجيه حكاية الأحداث وفق ما يحقق الفائدة، وما لم يذكره الله سبحانه جلت حكمته فلن يجد له القارئ فائدة في القصة.
   وقل مثل ذلك في إيراد القصة على أشكال مختلفة في مواضع مختلفة من المصحف؛ إن الكلام في كل مرة يحقق فائدة جديدة بحسب السياق الذي ورد فيه، فبحسب القيمة التي تراد من السياق القرآني يكون السلوك في إيراد القصة. ويفيد في هذا أن تقرأ ما يتعلق بقضية (التكرار في القرآن).
   هناك كذلك ظاهرة منتشرة في القرآن تسبب الإرباك للقارئ الذي لا يفهم أسلوب القرآن.. وهو أن القارئ أثناء قراءته يرى أن أطراف الحوار تتبدل! كأن يتحول من التكلم إلى الخطاب، كقوله تعالى: (...وأمرنا لنسلم لرب العالمين، وأن أقيموا الصلاة...) [الأنعام:71-72] فكان في الحال الأول متكلما عن نفسه، ثم تحول إلى الخطاب فيخاطب غيره بإقامة الصلاة فيشعر القارئ بربكة.. هل يتكلمون عن أنفسهم أم يخاطبون غيرهم بما يقولون؟
   وكذلك يقول الله تعالى: (إنا فتحنا لك فتحا مبينا؛ ليغفر لك الله...) [الفتح:1-2]
   أليس المتكلم هو الله؟.. فكيف يقول ليغفر لك ولا يقول لنغفر لك؟!
   وكذلك يقول الله: (هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم...) [يونس:22]
   ما الأمر !! في البداية كان الله يكلمهم مباشرة ويقول: حتى إذا كنتم في الفلك.. ثم يظهر الأمر أن الله يحكي عنهم فيقول: وجرين بهم ..!
   ومثل هذا كثير جدا في القرآن العظيم..
   أخي القارئ.. يحتاج حل هذا الإشكال إلى دراسة (علم البلاغة) الذي هو فرع من فروع اللغة العربية، فهذا الأسلوب يسمى أسلوب الالتفات، وهو أسلوب عربي قوي متين، له فائدته الكبيرة جدا، حيث يساعدك على تصور الأحداث والعيش معها. فإذا درست أسلوب الالتفات في علم البلاغة وفهمته جيدا انقلب الحال معك على النقيض تماما؛ فبدلا من أن يكون هذا الأسلوب مانعا لك من فهم القرآن، فسيكون بحول الله وقوته ومشيئته سببا عظيما في أن تعيش داخل الأحداث والحوارات التي تقرأها بالمصحف وكأنك ذهبت بجسدك إلى داخل تلك الأحداث وتحضرها بنفسك، لا أنها تقص عليك من خلال كلمات مكتوبة، وهذا ما يسمى بخاصية (التصوير) في القرآن، أي أنك تعيش الأحداث كصور ووقائع تحدث وأنت فيها، لا أنك تقرأها كما تقرأ أخبارا عادية.. وإن أسلوب الالتفات يخدم حصول التصوير للأحداث، فالتصوير هو خاصية قرآنية فريدة، والالتفات هو أحد الأدوات التي يتحقق بها هذا التصوير.
   وفي نهاية الأمر عزيزي القارئ، لا أملك أن أتناول حل مشكلات الأسلوب القرآني في هذا الكتاب الصغير كما أخبرتك قبل قليل، ولكن لعلك الآن قد فهمت الفكرة، وأن مشكلات الأسلوب متعددة، وأن علاجها كذلك يتعدد بتعدد المشكلات.
   ولعله يكون قد تبيّن لك أن فهم الأسلوب القرآني هو أمر ضروري وعاجل، لأنه بدون فهم هذا الأسلوب لن تستطيع أن تفهم القرآن؛ لأنه لا يشبه كتابا آخر على وجه الأرض..
   ولا أقول هذا الكلام فقط من باب تعظيم القرآن وإجلاله، بحيث يعترف كل مسلم أن القرآن الذي هو كلام الله يختلف عن أي كلام آخر؛ بل أقوله عن أسس وتجارب دراسية وبحثية، فلو نظرنا إلى القرآن نظرة بحثية علمية بحته – ولا يصح أن ننظر هذه النظرة أصلا بصفتنا مسلمين – فسنجد أنه كتاب يتميز بأسلوبه وبطريقته، وأن فهم هذا الكتاب يتوقف على دراسة أسلوبه وطريقته الخاصة في البيان، وإن هذا هو الهدف الذي أسأل الله تعالى أن يتمه لنا من خلال ما سنقدمه إن شاء الله من دراسة أو دراسات مشكلات أسلوب القرآن، وفي في إطار مشروع (إحياء علوم القرآن). فحتى ذلك الحين ، نستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .

محمد رشيد 
  9 / 6 / 2010م  

الموانع الخمسة/ االمانع الرابع : طغيان مبدأ التخصص



المانع الرابع
طغيان مبدأ التخصص
   عزيزي القارئ، لو أنك رأيت يوما من يبحث عن فقيه من الفقهاء ليسأل عن حكم الصلاة في الإسلام بحجة أنه يسأل أهل التخصص وأنه هو غير متخصص، فهل ترى ذلك الأمر مقبولا؟
   وإذا رأيت شخصا مسلما غنيا يسأل فقيها عن وجوب شيء يسمى الزكاة فهل تراه مقبولا؟
   هذه الصور غير مقبولة.. لماذا؟
   لأن المعلومات التي يسألون عنها هي من (البنية التحتية) المعرفية لأي مسلم.
   فمعرفة أن معرفة أن الصلاة واجبة على البالغ، وأن الزكاة واجبة على الغني، وأن الزنا حرام وأن الخمر حرام ...إلخ، فهذه الأمور هي من الأساسيات التي يعرفها كل مسلم، وليست من المسائل التي نذهب ونسأل عنها المتخصصين؛ فالمتخصصون لهم مسائلهم التخصصية الدقيقة، أما هذه المسائل أو هذه المعارف فإنها من الأساسيات التي يشترك فيها المسلمون أو هو ما ينبغي أن يكون عليه الحال.
   ولذلك لا تجد الفقهاء يقولون: إن مذهب الإمام أبي حنيفة هو أن الصلاة واجبة، أو إن مذهب الإمام مالك هو أن الزنا حرام، أو إن مذهب الإمام الشافعي هو أن الخمر حرام.. لأن هذه المسائل لا تحتاج فيها إلى سؤال الفقهاء.
   ولأجل ذلك لا يعتبر العلماء هذه المسائل من مسائل الفقه أصلا، لأنها لا تحتاج إلى اجتهاد واستنباط.
   هذا في الفقه وهو واضح، ولم يدخله الخلط والحمد لله. ولكن قد وقع الخلط في المعرفة التي تتعلق بالقرآن سواء في تفسير الآيات أو في علوم القرآن التي تتعلق به.
   إن الجهل بالقرآن منتشر في زماننا أكثر من الجهل ببعض الأحكام الرئيسية، وصار الناس في معلومات القرآن تماما كالذي يسأل الفقيه عن حكم الصلاة وحكم الزكاة وحكم شرب الخمر!
   ولكننا لا ننتبه إلى تلك الحقيقة لأن المسائل القرآنية قد اختفت تماما من القاعدة المعرفية للمسلم، ففي الفقه والأحكام الشرعة يستطيع الناس أن يدركوا تقصيرهم، لأن بعض الأحكام الأساسية لا تزال موجودة، فيمكنهم من خلال معرفتهم الأساسية أن يتصوروا المشكلة لو شرحناها لهم، أما علوم القرآن فإن مجرد التصور غير ممكن! لأن القاعدة الأساسية للمعرفة القرآنية تكاد تختفي تماما عند الناس، فلا توجد حتى بعض المسائل التي يمكن أن نضرب بها الأمثلة لتوضيح المسائل التي لا يعرفونها. وهنا نشعر بحجم المشكلة حين نجد صعوبة كبيرة في توضيحها للناس.
   وفي ظل افتقادنا للقاعدة المعرفية عن القرآن نرى جماهير الناس  تتوجه إلى المتخصصين في علوم القرآن يسألونهم عن كل شيء!.
وسؤال المتخصصين في ظل هذه الظروف ليس شيئا سيئا، بل هو المطلوب، ولكن الشيء السيئ هو أن يتحول الجهل بالقاعدة الرئيسية القرآنية إلى أمر عادي، بحيث يبرر الإنسان جهله بكونه غير متخصص!
   يعني تخيل معي الآن شخصا لا يعرف أن الصلاة فرض وأن الصيام فرض، وأن الخمر حرام، وأن الزنا حرام.. فتقول له: كيف يا فلان لا تعرف هذه الأحكام؟؟
   فيقول: هذا طبيعي؛ فأنا مهندس، ولست متخصصا في الفقه الإسلامي، وكل إنسان له تخصصه، فأنا درست في كلية الهندسة، وغيري درس في كلية الشريعة الإسلامية، وهكذا تتوزع الأدوار والتخصصات.
   فهل تقبل منه هذا التبرير؟.. الجواب لا؛ لأن هذه الأحكام لا تتعلق بمجال التخصص، وإنما هي قاعدة رئيسية من المعلومات، تسمى (المعلوم من الدين بالضرورة) وقد قال الفقهاء في كتبهم إن هذه الأحكام من ينكرها أو يقول هي ليست من الإسلام فإنه لايكون مسلما.
   وعلى الرغم من ذلك، فالواجب المتعين عليه الآن هو أن يسأل عن هذه الأحكام الأساسية، حتى لو كان المفترض أن يكون عارفا لها.. وليس العيب الآن في أن يسأل؟ ولكن العيب هو أن يعتبر الجهل بهذه المسائل شيئا عاديا لأنه غير متخصص في الفقه! ونفس الشيء في علوم القرآن وفهم القرآن.
   إن الارتكان إلى التخصص واعتبار كل المسائل المتعلقة بالقرآن هي من شأن المتخصصين قد ساهم مساهمته الرئيسية في أزمة فهم القرآن، لأن الذي يطمئن إلى أن جهله بمعاني القرآن هو شيء طبيعي، فإنه لن يتحرك ليرفع عن نفسه هذا الجهل، ولماذا يرفعه؟ إنه ليس من المتخصصين!.. وهل كل إنسان يكون مطالبا بمعرفة التخصصات الأخرى كلها! ..هكذا يفكر الناس، وهكذا استحكمت الأزمة.. أزمة فهم القرآن..
   إن الجزء الأكبر من المسؤولية يقع على عاتق المتخصصين في علوم القرآن؛ إنهم هم أيضا اعتبروا مايفيدون به الناس أنه مادة تخصص، فسكتوا عن جهل الناس، أو اشتكوا هم أيضا من جهل الناس، في حين أنهم هم المطالبون برفع الجهل عن الناس، لا أن يشتكوا منهم!
   إن الفقيه لو جاءه رجل يسأله: ما حكم الصلاة؟ إنني لا أعرف حكمها ..
   فهل يصح هنا أن يفتيه فيقول له: فرض، وينتهي الأمر إلى هذا الحد، ثم ينتقل إلى الفتوى التي بعدها!.. لا يصح هذا، ولابد من وقفة مع هذا السائل، فيسأله عن مولده ومكان إقامته وكيف تربى ونشأ ..إلخ، هذه الأسئلة تكشف سبب وصول السائل إلى هذه الحالة من الجهل بضروريات الإسلام، ثم لابد من أن يوجهه بعدها إلى أن يتعلم أساسيات دينه وأركان الإسلام ..إلخ، لا أن يخبره عن الحكم ويسكت!
   إن واجب المتخصصين في علوم القرآن كبير جدا، إن عليهم أن يمنحوا الناس القاعدة الرئيسية من العلم حول القرآن ، فليست كل المعارف والمعلومات حول القرآن هي من شأن المتخصصين، تماما كما أنه ليست كل الأحكام الفقهية هي أحكام تخصصية اجتهادية، ومن شأن الفقهاء.
   إن التخصص في حد ذاته شيء جيد، ولكنه يتحول إلى شيء سلبي لو توسع على حساب جهل عامة المسلمين، فيترك الناس جهّالا مساكين؛ كلما أرادوا أن يعرفوا أوضح معلومة ذهبوا إلى المتخصصين.
   وبهذا اعتبر الناس أن أية معلومات تتعلق بالقرآن سواء في تفسيره أو في علومه هي من شأن التخصص، وبالتالي لم يعرفوا من القرآن إلا قراءة حروفه!
   إن هذا السلوك المغلوط قد انبنى عليه مفهوم آخر هو غلط كذلك، وما ينبني على باطل فهو باطل.. هذا المفهوم الجديد هو الفصل بين العلم بالقرآن وبين المعارف الروحانية القرآنية.. فنسمع البعض يقول – مثلا -:
(إننا مع تقديرنا للعلم واحترامنا له، إلا أن هناك أفرادا ليسوا من أهل التفسير والعلم فيه، ولكن لهم نفحات من الله لإخلاصهم ولصدق نفوسهم ..إلخ، وهؤلاء نستفيد من خواطرهم وكتاباتهم أمورا تربوية في النفس ولا نأخذ منهم علما..) أو كلاما قريبا من هذا.
    هذا الفكر خطأ وخطير جدا، إنه يقوم على أساس أن كل علم أو كل فهم يتعلق بالقرآن هو من شأن المتخصصين، فلابد وأن تسأل فيه المتخصص، يعني لا تتجاوز في القرآن أن تقرأ الأحرف وتتلفظ بها فقط، أما أن تفهم أدنى فهم فهو ليس من العلم، فليس إذا من شأنك، وإنما هو من شأن المتخصصين!!.. ثم لما رأوا أن هناك كتابات قوية ومؤثرة من أفراد لا يقال عنهم إنهم (مفسرون) لم يجعلوا هذه الكتابات علما؛ لأن العلم عندهم لا يأتي أبدا إلا من المتخصصين، فتخبطوا في إطلاق الأسماء المناسبة على محتوى هذه الكتابات.. فمرة يقولون نفحات ومرة إلهامات ومرة توفيقات.. ونحو ذلك.
   إن الناس يملكون – تحت كل الحوال - قدرا ولو صغيرا من فهم القرآن بطريقة أو بأخرى، وهذا يدل عليه النظر العقلي الصحيح؛ فالقرآن قد نزل على البشر ليقرر أول مايقرر دلائل التوحيد، أي أن أول ما يوجبه القرآن على الإنسان التأمل والنظر بالعقل في الكون، ليتعرف الإنسان ربه وخالقه.. يظهر ذلك جليا من خلال الآيات التي تحض على النظر والتدبر في (العالم العلوي) و (العالم السفلي) و (في نفس الإنسان).. فهذه ثلاثة مواضع هي جهات للتأمل، وقد دار القرآن عليها في توجيهه للنظر والتدبر..
   فلو أن الإنسان انتقل من هذه الآيات القرآنية لينفذ المطلوب فيها، وهو التأمل في الكون، فهذا يعني لزاما أنه قد فهم هذه الآيات القرآنية، فلو فعل ذلك من لم يكونوا متمكنين في اللغة ولكنهم يفهمون الكلمات القرآنية التي تأمرهم بالنظر في الكون، فهذا يعني أنهم يملكون مقدارا من الفهم في القرآن، حتى مع ضعف لغتهم.
   تأمل هذه الآيات من سورة الأنعام وعش معها :
(إن الله فالق الحبي والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي، ذلكم الله ربكم فأنى تؤفكون. فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا، ذلك تقدير العزيز العليم. وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر، قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون. وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع، قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون. وهو الذي أنزل من السمآء مآء فأخرجنا به نبات كل شيء فأخرجنا منه خضرا نخرج منه حبا متراكبا ومن النخل من طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه، انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون. وجعلوا لله شركآء الجن وخلقهم، وخرقوا له بنين وبنات بغير علم، سبحانه وتعالى عما يصفون. بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة، وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم. ذلكم الله ربكم خالق كل شيء فاعبدوه، وهو على كل شيء وكيل. لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير. قد جآءكم بصآئر من ربكم، فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها، وما أنا عليكم بحفيظ) [الأنعام:95-104]
   هل تراك قد فهمت هذه الكلمات القدسية الجميلة وعرفت المراد منها ؟.. هل تراك تحتاج في فهمها إلى الرجوع لمتخصص يفهمك المعاني الرئيسية الواضحة فيها؟
   لا شك أن هناك ما سنحتاج أن ترجع فيه إلى أهل العلم والإخلاص والتقوى من أهل القرآن العالمين العاملين.. ولكن، ليس كل القرآن.. ولا يفقدك هذا علاقتك الشخصية مع الله من خلال القرآن، فافهم القرآن :
(ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر) [القمر:17]
   العلاج:
   المفهوم الذي ينبني عليه علاج هذه المشكلة هو أن يدرك المسلم أن هناك قاعدة من فهم القرآن لابد وأن يكون ملما بها، فقد كان منهج الصحابه – رضي الله عنهم - في التعامل مع القرآن هو أن يتلقوه أولا كخطاب مباشر لهم يفهمونه، فقد كانوا عربا يفهمون القرآن، وعلى الرغم من أننا لسنا عربا نفهم العربية على وجهها الصحيح، إلا ان هناك معاني قرآنية واضحة يمكن أن نحصل عليها من خلال تدبرنا وتأملنا لبعض الوقت في القرآن، وهي أوسع أيضا من المعاني المباشرة الواضحه التي نعرفها من أول لحظة نقرأ فيها الكلمات العربية في القرآن.
   إنني أدعو إلى التأمل..أي أن يتأمل المسلم في القرآن العظيم بحسب ما تقدر عليه معرفته باللغة العربية، ثم ما لا يفهمه أو ما يستشعر أنه من شأن المتخصصين، فواجبه هنا أن يتوجه إلى أهل الاختصاص، فالله تعالى يقول (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون).
   إنني أعلم أن القاعدة المعرفية بالقرآن تختلف من جيل إلى جيل ومن بيئة إلى بيئة، فالقاعدة عند الصحابة والأجيال الأولى تختلف عن القاعدة عند من بعدهم، تختلف عن القاعدة في القرون الأخيرة، ولكن هناك قاعدة معرفية على كل حال، وينبغي أن نحافظ أولا على هذه القاعدة ثم نعمل على توسيعها بقدر الإمكان، بشرط ألا تدخل في دائرة التخصص، فإن اقتربنا من دائرة التخصص كانت هناك قوانين أخرى للفهم. والذي لا نقبله بحال هو أن تختفي تماما هذه القاعدة.
إن إعادة العلاقة مرة أخرى بين المسلمين وبين قرآنهم هو مما نسعى إلى تحقيقه من خلال المشاريع والمؤلفات في مجال بالقرآن العظيم ..نعم، نريد من كل مسلم:
مصحفا في يده وفهما في عقله.

الموانع الخمسة/ االمانع الثالث : التأثر الذاتي بألفاظ القرآن



المانع الثالث
التأثر الذاتي بألفاظ القرآن
   هذا السبب قد يبدو للقارئ غريبا بعض الشيء، ولكنه شيء واقعي نعيشه ويمكن أن نشعر به لو انتبهنا إليه، بل ويشعره غيرنا كذلك من غير المسلمين! بل ويشعره من لا يعرف اللغة العربية!!
   تعال أخي القارئ نأخذ جولة مختصرة في السيرة النبوية نكتشف من خلالها شيئا ما، ثم نعود لننظر أمر هذه المشكلة...
   جاء في السيرة النبوية أن عتبة بن ربيعة كان جالسا يوما مع بعض أفراد من قريش، وكان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا وحده في الحرم، فاقترح عتبة بن الربيعة على أصحابه أن يقوم إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويعرض عليه عرضا لعله يقبله، فوافقوه على ذلك...
   فقام عتبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وعرض عليه المال إن كان يريد المال، وعرض عليه الشرف ورئاسة الكلمة إن كان يريد ذلك، وعرض عليه الملك والسلطان إن كان يريده، أي إنه إن كان النبي صلى الله عليه وسلم يريد بدعوته الإسلامية شيئا من ذلك حققوه له ، على أن يكف عن دعوته وعن إساءته إلى آلهتهم الباطلة.
   ثم عرض عتبة في النهاية أن لو كان الوحي الذي يأتيه هو شيء من التخيلات أو التهيؤات، فإنهم يبذلون له من أموالهم ويجلبون له من يشفيه حتى يشفى.. فلما سكت عتبة بن ربيعة وفرغ من كلامه، قال له رسول الله :
   " أقد فرغت يا أبا الوليد ؟ "
   فقال : نعم.
   قال : فاستمع مني:
   (حم، تنزيل من الرحمن الرحيم، كتاب فصلت آياته قرانا عربيا لقوم يعلمون، بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون، وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل إننا عاملون) [فصلت:1-5]
   فلما أخذ النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ من سورة فصلت أنصت عتبة بن ربيعة للقرآن! وألقى يديه  خلف ظهره واستند عليهما، وهو يركز في القرآن!
   ثم انتهى الرسول صلى الله عليه وسلم إلى آية السجدة من السورة فسجد، ثم قال:
   " قد سمعت يا أبا الوليد ، فأنت وذاك "
   فلما  رجع عتبة إلى قومه لاحظوا عليه تغيرا، فلما سألوه قال:
   سمعت قولا والله ماسمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر، ولا بالسحر، ولا بالكهانة، يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها بي، وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه، فاعتزلوه، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم.
   هل تلاحظ ؟.. لقد حدث شيء في نفس عتبة بن ربيعة لما سمع القرآن..!
   سنعود إن شاء الله ونرى ما هو هذا الشيء ولكن دعنا نتاول مثالا آخر من السيرة النبوية..
   في ذات ليلة خرج أبو سفيان بن حرب وأبو جهل والأخنس بن شريق كل واحد بمفرده.. خرجوا ليستمعوا لقراءة النبي للقرآن وهو يصلي في بيته!
   وكل واحد يظن أنه الوحيد الذي خرج.. وظل كل واحد منهم مختبأ يسمع القرآن، حتى طلع الفجر وقام كل واحد ليرجع إلى منزله، فالتقوا في الطريق عن غير قصد منهم، فلام بعضهم بعضا على هذا الفعل، وقال بعضهم لبعض: لاتعودوا لهذا الفعل فلو رآكم بعض سفهائكم – أي خفاف العقول - لأوقعتم في أنفسهم شيئا.
   ثم تكررت نفس الأحداث في الليلة التالية !!
   ثم في الليلة الثالثة تكرر منهم الذهاب والجلوس والاستماع للقرآن!! وظلوا متخبئين كل واحد بمفرده إلى الفجر كما في الليلتين السابقتين، ثم لما قام كل واحد ليرجع إلى بيته التقوا كذلك في الطريق ، فقال بعضهم لبعض لا نتحرك من مكاننا حتى نتعاهد على ألا نعود...
    ما الأمر إذا ؟.. الأمر هو أن القرآن يحمل خاصية لا يحملها أي كلام آخر؛ وهو (التأثير الذاتي) في النفوس.
   ومعنى التأثير الذاتي في النفوس هو أن القرآن إذا قرأه الإنسان على أصوله بإتقان المخارج وصفات الحروف، والتزم القارئ الهيئة المناسبة من الوقار والإجلال والسكينة، فإن القرآن يكون له تأثير كبير في نفوس الناس حتى وإن لم يكن الإنسان فاهما له، بل حتى وإن كان من غير العرب أصلا!!
   وفي هذا يحكي لنا الأستاذ سيد قطب رحمه الله تجربته مع السيدة اليوغسلافية التي كانت على ظهر السفينة المسافرة إلى الولات المتحدة سنة 1948م، وأنبه القارئ إلى أن الأستاذ سيد قطب هنا قد فصّل هذه الحقيقة تفصيلا جيدا، فنرجو من القارئ التركيز في كلامه. يقول رحمه الله:
   (إن الأداء القرآني يمتاز ويتميز من الأداء البشري.. إن له سلطاناً عجيباً على القلوب ليس للأداء البشري؛ حتى ليبلغ أحيانا أن يؤثر بتلاوته المجردة على الذين لا يعرفون من العربية حرفاً.. وهناك حوادث عجيبة لا يمكن تفسيرها بغير هذا الذي نقول - وإن لم تكن هي القاعدة - ولكن وقوعها يحتاج إلى تفسير وتعليل . . ولن أذكر نماذج مما وقع لغيري؛ ولكني أذكر حادثا وقع لي وكان عليه معي شهود ستة، وذلك منذ حوالي خمسة عشر عاماً..)
   فننتبه هنا إلى أنه يقرر وجود (التأثير الذاتي) لمجرد التلاوة للقرآن، سواء وقع هذا التأثير على من يفهمون العربية أو لا يفهمونها.. ثم يقول رحمه الله حاكيا القصة:
(..كنا ستة نفر من المنتسبين إلى الإسلام على ظهر سفينة مصرية تمخر بنا عباب المحيط الأطلسي إلى نيويورك؛ من بين عشرين ومائة راكب وراكبة أجانب ليس فيهم مسلم.. وخطر لنا أن نقيم صلاة الجمعة في المحيط على ظهر السفينة! والله يعلم أنه لم يكن بنا أن نقيم الصلاة ذاتها أكثر مما كان بنا حماسة دينية إزاء مبشر كان يزاول عمله على ظهر السفينة؛ وحاول أن يزاول تبشيره معنا!.. وقد يسر لنا قائد السفينة - وكان انجليزياً - أن نقيم صلاتنا؛ وسمح لبحارة السفينة وطهاتها وخدمها - وكلهم نوبيون مسلمون - أن يصلي منهم معنا من لا يكون في "الخدمة" وقت الصلاة! وقد فرحوا بهذا فرحاً شديداً، إذ كانت المرة الأولى التي تقام فيها صلاة الجمعة على ظهر السفينة. . وقمت بخطبة الجمعة وإمامة الصلاة؛ والركاب الأجانب - معظمهم - متحلقون يرقبون صلاتنا!.. وبعد الصلاة جاءنا كثيرون منهم يهنئوننا على نجاح "القدّاس" !!! فقد كان هذا أقصى ما يفهمونه من صلاتنا ! ولكن سيدة من هذا الحشد - عرفنا فيما بعد أنها يوغسلافية مسيحية هاربة من جحيم "تيتو" وشيوعيته ! - كانت شديدة التأثر والانفعال، تفيض عيناها بالدمع ولا تتمالك مشاعرها. جاءت تشد على أيدينا بحرارة؛ وتقول- في إنجليزية ضعيفة - إنها لا تملك نفسها من التأثر العميق بصلاتنا هذه وما فيها من خشوع ونظام وروح!.. وليس هذا موضع الشاهد في القصة.. ولكن ذلك كان في قولها: أي لغة هذه التي كان يتحدث بها "قسيسكم"! فالمسكينة لا تتصور أن يقيم "الصلاة" إلا قسيس - أو رجل دين - كما هو الحال عندها في مسيحية الكنيسة! وقد صححنا لها هذا الفهم! وأجبناها.. فقالت: إن اللغة التي يتحدث بها ذات إيقاع موسيقي عجيب، وإن كنت لم أفهم منها حرفا.. ثم كانت المفاجأة الحقيقية لنا وهي تقول: ولكن هذا ليس الموضوع الذي أريد أن أسأل عنه.. إن الموضوع الذي لفت حسي، هو أن "الإمام" كانت ترد في أثناء كلامه - بهذه اللغة الموسيقية - فقرات من نوع آخر غير بقية كلامه! نوع أكثر موسيقية وأعمق إيقاعا.. هذه الفقرات الخاصة كانت تحدث فيّ رعشة وقشعريرة! إنها شيء آخر! كما لو كان - الإمام - مملوءا من الروح القدس! - حسب تعبيرها المستمد من مسيحيتها! - وتفكرنا قليلا. ثم أدركنا أنها تعني الآيات القرآنية التي وردت في أثناء خطبة الجمعة وفي أثناء الصلاة! وكانت - مع ذلك - مفاجأة لنا تدعو إلى الدهشة، من سيدة لا تفهم مما نقول شيئا !
   وليست هذه قاعدة كما قلت. ولكن وقوع هذه الحادثة - ووقوع أمثالها مما ذكره لي غير واحد - ذو دلالة على أن في هذا القرآن سراً آخر تلتقطه بعض القلوب لمجرد تلاوته. وقد يكون إيمان هذه السيدة بدينها، وفرارها من الجحيم الشيوعي في بلادها، قد أرهف حسها بكلمات الله على هذا النحو العجيب.. ولكن ما بالنا نعجب وعشرات الألوف ممن يستمعون إلى القرآن من عوامنا لا يطرق عقولهم منه شيء، ولكن يطرق قلوبهم إيقاعه - وسره هذا - وهم لا يفترقون كثيرا من ناحية فهم لغة القرآن عن هذه السيدة اليوغسلافية!!!) ا.هـ
   ومن هذه القصة الماتعة التي تعمدت أن أضعها بطولها، يتبين لك أن القرآن قد أثّر تأثيره الذاتي في المرأة التي لا تعرف اللغة العربية أصلا، وأن جماهير المسلمين الآن تتأثر به هذا التأثر وهي لا تفهم القرآن، تماما كما أن المرأة اليوغسلافية لا تفهم القرآن..
   بل أكثر من هذا، وهو أن بعض اليهود والنصارى كانوا يسلمون حينما يسمعون القراءة الصحيحة والجميلة للقرآن الكريم!
   يخبرنا بهذا إمام الدنيا في القراءات القرآنية محمد بن الجزري، وذلك في كتابه (النشر في القراءات العشر) فيقول رحمه الله :
   (ولقد أدركنا من شيوخنا من لم يكن له حسن صوت ولا معرفة بالألحان إلا كان جيد الأداء؛ قيما باللفظ؛ فكان إذا قرأ أطرب المسامع؛ وأخذ من القلوب بالمجامع، وكان الخلق يزدحمون عليه، ويجتمعون على الاستماع إليه أمم من الخواص والعوام، يشترك في ذلك من يعرف العربي ومن لا يعرفه من سائر الأنام، مع تركهم جماعات من ذوي الأصوات الحسان، عارفين بالمقامات والألحان؛ لخروجهم عن التجويد والإتقان. وأخبرني جماعة من شيوخي وغيرهم أخباراً بلغت التواتر عن شيخهم الإمام تقي الدين محمد بن أحمد الصائغ المصري رحمه الله وكان أستاذاً في التجويد أنه قرأ يوماً في صلاة الصبح }وتفقد الطير فقال لا مالي أرى الهدهد{ كرر هذه الآية فنزل طائر على رأس الشيخ يسمع قراءته حتى أكملها فنظروا إليه فإذا هو هدهد، وبلغنا عن الأستاذ الإمام أبي محمد عبد الله بن علي البغدادي المعروف بسبط الخياط مؤلف المبهج وغيره في القراءات رحمه الله أنه كان قد أعطى من ذلك حظاً عظيماً، وأنه أسلم جماعة من اليهود والنصارى من سماع قراءته..) ا.هـ
   إن الأمر هنا لا يتعلق بجمال الصوت، ولا بالمقام الموسيقي الذي يقرأ به القارئ ويحاول أن يلتزم به كما يفعل البعض الآن ممن لا يوقرون القرآن حيث يتعلمون المقامات الموسيقية!.. إن الأمر هنا هو شيء موجود في ذات القرآن، هو تأثير ذاتي ينبع من كونه قرآنا، ولا تتحقق هذه الميزة في أي كلام آخر.
   إذا كان الناس فيهم المتخصصون الذين يتوجهون في القرآن إلى دقائق المسائل، وإذا كان جمهور كبير من الناس  يستطيعون فهم المعاني الأساسية والعامة في القرآن لأنهم يعرفون اللغة العربية ولو من بعيد... فإن البشرية كلها تلحظ هذا التأثير الذاتي في القرآن، والذي يأخذها ويذهب بها، سواء كانوا من العلماء المتخصصين، أو كانوا من العارفين باللغة العربية معرفة عامة، أو كانوا من الذين لا يعرفون اللغة العربية أصلا ولا يتخصصون في شيء على الإطلاق!
   هذا من عظمة القرآن، كلام الله..
   ولكن.. كالعادة، تعامل الناس مع هذا الشيء الجميل تعاملا سلبيا، فإذا سمع كثير من الناس القرآن وتأثروا به دون فهم معناه، اكتفوا بذلك التأثر، وظنوا أن هذا التأثر هو المطلوب من سماع القرآن.
   ونلاحظ هذا في حال كثير من الناس الذين هم بعيدون جدا عن فهم القرآن وعن العمل به، ثم هم يحبون الاستماع الى القرآن لتستمتع نفوسهم بما تجده من تأثير القرآن الخلاب ، فإذا استمعوا واستمتعوا  ظنوا أن ذلك هو المراد تحققه من القرآن، وأنه هو الهداية التي تحدث به، وإن لم يقولوا ذلك بألسنتهم، فإن للنفس وقناعتها حديثا لا يشترط أن يتلفظ به اللسان، فالنفوس تقتنع وتكتفي بذلك التأثير.
   هذا التأثير بالقرآن ربما كان أكثر إشكالا من المشكلتين السابقتين؛ لأن وقوع الأثر في نفس سامع القرآن وشعوره بحقيقة هذا الإحساس يجعله يلمس بيديه شيئا حقيقيا قد حدث بسماعه للقرآن فيكون قد لمس شيئا حقيقيا قد حصل بهذا السماع، بخلاف موضوع الإجلال والتعظيم، فربما يتطرق إلى نفسه أنه موروث بحكم أنه ولد من أب وأم مسلمين ووسط أناس يقبّلون المصحف ويضعونه على الأرفف. وبخلاف موضوع الأجر على القراءة المجردة، لأن الأجر ربما يحدث وربما لا يحدث، وهو على كل حال من أمور الغيب، أما الشعور الحادث بالقراءة فهو شيء ملموس قد وقع فعليا، وقد تيقن الإنسان حدوثه في نفسه.
العلاج:
   اعلم أولا وقبل كل شيء، أن هذا الشعور الذي يأتيك حينما تسمع القرآن هو شعور مشترك يحدث للمسلم والكافر!
   فربما يسمع الكافر القرآن فيتأثر تأثرا شديدا ثم لا يهديه الله للإسلام!
   وقد رأيت ما كان من عتبة بن ربيعة لما سمع القرآن وتأثر به، ولكنه لم يؤمن لما سمعه، بل ذهب يحذر قومه من التعرض لعظمة القرآن! مما يؤكد أن القرآن قد أثر في نفسه، ولكن هذا التأثير قد أتى بثمرة سلبية، لأن قلبه أصلا لم يكن مستعدا للإيمان.. وكذلك الثلاثة وهم أبو سفيان بن حرب وأبو جهل والأخنس بن شريق كل مرة يلوم بعضهم بعضا ويتفقون، ثم في المرة الثالثة تعاهدوا ولم تذهب عداوتهم للقرآن رغم تأثرهم به!
   إذا ، فالتأثر وحده لايثبت لك به أي فضل ، لأنه ليس نابعا منك ابتداء، بمعنى أنه ليس ناتجا عن تصرف منك ولا تعظيم وإجلال منك ولا حتى رغبة في الأجر.
   فالكفار لا يعظمون ولا يرغبون بالأجر ورغم ذلك فقد تأثروا بالقرآن.. لذلك أسميناه (التأثير الذاتي) أي أنه من ذات القرآن، ولا دخل لإيمان الشخص فيه.
   وكما قرأنا في كلام الإمام ابن الجزري أنه حتى الذين لا يعرفون العربية يستوقفهم القرآن.
   إذا عرفت هذا فينبغي أن تدرك أن المطلوب منك تجاه القرآن لم يتحقق بهذا التأثر الذي وقع داخلك، وعليك أن تبدأ حالا في تدبر القرآن في معانيه وأحكامه، بقطع النظر عما يحدث داخلك من الشعور بسماع القرآن، فقد عرفت ما هو مصدره. والله تعالى يوفقك .

الموانع الخمسة/ االمانع الثاني : فضل القراءة المجردة للقرآن



المانع الثاني
فضل القراءة المجردة للقرآن
   هل يقرأ الإنسان كتابا وهو لا يفهمه ويكون مقتنعا مسرورا بقراءته؟!
   هذا لا يكون أبدا، خاصة إذا عرفنا أن عملية القراءة هي عملية مملة نوعا ما، وتحتاج إلى صبر، إلا في كتاب واحد... هو القرآن !
   القرآن هو الكتاب الوحيد الذي يكون المسلم مسرورا وهو يقرأ فيه حتى وإن لم يفهم معاني الكلمات التي يقرأها! ومن أسباب ذلك أن المسلم يعلم أنه يؤجر على مجرد القراءة للقرآن، فالقراءة المجردة هي عبادة مستقلة بذاتها. فالقرآن وحي من الله تعالى يتميز عن الوحي الثاني - وهو السنة - بعدة ميزات منها أنه (متعبد بتلاوته)  أي أن المؤمنين يتعبدون بتلاوة القرآن الكريم داخل الصلاة وخارجها، وهذا لا يتحقق للوحي الثاني الذي هو الأحاديث النبوية الشريفة لأن نصوصها ليست من الله، وإنما هي من تعبير النبي صلى الله عليه وسلم، وحتى الأحاديث القدسية التي يبلغها النبي هي ليست كالقرآن، فنحن لا نتعبد بتلاوتها كما نتعبد بالقرآن.
   والأصل الأعظم الذي يبنى عليه المسلمون هذا المفهوم هو قول النبي صلى الله عليه وسلم: (مَن قرأ حرفاً مِن كتاب الله فله به حسنة ، والحسنة بعشر أمثالها ، لا أقول الم  حرف، ولكن ألِف حرف، ولامٌ حرف، وميمٌ حرف) [رواه الترمذي وصححه]
   والتعبد بتلاوة القرآن هو أمر جيد وإيجابي في حد ذاته، تماما كما أن تقديس القرآن أمر إيجابي وضروري للمسلم، ولكن المشكلة هي في تصرف المسلم تجاه ذلك.
   إن اطمئنان المسلم إلى حصوله على الأجر بمجرد التلاوة جعلته يتباطأ أو يتكاسل عن تدبر معاني القرآن، لأنه يقرأ وهو  يعلم أن عداد الحسنات لا يتوقف.. فهو يقرأ ويقرأ ويقرأ ليزيد حسناته، وفي خضم كل ذلك ينسى القارئ موضوع التدبر وأنه كذلك مطلوب منه، بل هو أولى.
   يذكر لي أحد الإخوان أنه جرب ختم القرآن عدة مرات في رمضان، ولكن ذلك أثّر لديه على مساحة التدبر، فقرر أن يقرأه في رمضان مرة واحدة – فيما أذكر - ولكن بتدبر وتفكر في الآيات، فيقول إنه قد شعر في البداية بعدم الرضا عن نفسه ، حيث هبط عنده مستوى الاجتهاد في تلاوة القرآن في ذلك الشهر العظيم، ولكنه يخبرني كذلك أنه حينما ختم في رمضان ختمة واحدة بالتدبر، شعر بفارق عظيم جدا في فهم القرآن وتدبره، وكان راضيا عن ذلك الإجراء .
   وهذا لا يعني أبدا أننا ننصح بتلاوة القرآن مرة واحدة في رمضان؛ فهي مجرد تجربة شخصية يعكس بها صاحبها مفهوما عظيما هو ضرورة وجود التدبر والتفكر أثناء قراءة القرآن، وهذه الأمور تختلف من شخص إلى آخر، فربما كان هناك من يقرأ ختمة أو ختمتين أو ثلاث ختمات في رمضان، وهو يتدبر ويتعمق في معاني القرآن، ويخرج منه بقرارات جذرية تغير الكثير من فعاليات حياته، وهناك من يقرأ بضع آيات فقط في اليوم كله ولا يتدبر منها إلا القليل.. فالمهم هو التدبر، وكلما  قرأ الإنسان كثيرا مع التدبر والتفكر كان جامعا بين الحسنين.
   إن المشكلة هي أن الإنسان يتخذ من القرآن مجرد قراءة صوتية يأخذ عليها الحسنات الكثيرة، فيتكاسل عن الاجتهاد في الفهم والتدبر.

   العلاج :
   اعلم، أخي المسلم، أن الله تعالى لم يذم الكفار على عدم تلاوة القرآن! وإنما ذمهم على عدم تدبره ..
   (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها) [محمد:24]
   (أفلا يتدبرون القرآن، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) [النساء:82]
   وهذا يدلك على أن التدبر هو الواجب الذي يسبق التعبد بالتلاوة، لماذا؟
   لأن التدبر هو الطريق المؤدي إلى حصول الإيمان في القلب والإيمان هو شرط صحة الأعمال، فلا تصح أية عبادة دون تحقق الإيمان أولا، ومجرد قراءة القرآن لا قيمة لها إذا وقعت من غير المؤمن، فالله تعالى يقول (..ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخر من الخاسرين) [المائدة:5]
   والطريق إلى الإيمان هو التفكر والتدبر بالعقل أولا، وهو ما دلنا عليه القرآن، بل هو من أغراض نزول القرآن.. تأمل هذه الآيات :
   (أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت، وإلى السماء كيف رفعت، وإلى الجبال كيف نصبت، وإلى الأرض كيف سطحت) [الغاشية:17-20]
   (أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون) [الأعراف:185]
   (أفلم ينظروا إلى السماء فوفهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج، والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج، تبصرة وذكرى لكل عبد منيب) [ق:6-8]
   ومثلها كثير جدا في القرآن..
   فالتدبر بالعقل عموما هو طريق حصول الإيمان، وتدبر القرآن وما يشير إليه القرآن من الكون هو غرض رئيسي لإنزاله، ويستمر هذا التدبر والتفكر في كلام الإله الذي أنزل القرآن حتى بعد حصول الإيمان بسبب التدبر الأول.
   وما تلاوة القرآن والأجر عليها بعد ذلك إلا عبادة من العبادات التي يدفع إليها هذا الإيمان الذي  قد حصل بالتدبر. (فكر جيدا في هذه العلاقة المهمة، فالقراءة هي عبادة من العبادات التي تحصل بالإيمان، والإيمان لا يكون إلا بالتدبر أولا).
   إننا لا نقول لك لا تتعبد بالقرآن، فذلك ليس هو العلاج الذي نقدمه، بل إننا ندفعك دفعا إلى الإكثار من التلاوة، ولكن عليك أن تقرأ بتدبر وتفكر، وعليك أن تعرف معاني الكلمات القرآنية وأنت تقرأ..
   لا تترك الآية تمر عليك وأنت لا تفهمها..
   وحتى لو كنت تفهم أغلب معاني الآية واستشكلت عليك كلمة واحدة، فعليك أن تفتح كتاب "كلمات القرآن تفسير وبيان " للشيخ حسنين مخلوف رحمه الله، وأن تفهم معنى الكلمة، ثم عليك أن تعيد قراءة الآية مرة أخرى بعد أن فهمت معنى الكلمة.
   وإذا اضطررت أن تقلل مقدار ما تقرأ في اليوم الواحد أو في الورد القرآني نتيجة التدبر وقراءة المعاني والتفاسير لأنها تأخذ من الوقت، فلا مانع من ذلك، قم بتقليل الكمية المقروءة في مقابل أن تتدبر وتتفكر وتعرف معاني القرآن.. فلكل شيء ضريبة.. وإن الأجر الذي ترجوه من القراءة المجردة تجني أضعافه إن شاء الله من العمل في حياتك كلها بما يفتح الله عليك من فهم القرآن العظيم.
   فالعلاج إذا لهذا السبب هو أن تعلم أن التدبر هو المقصود الأول والرئيسي للقرآن، وأن القرآن الكريم ليس فقط ألفاظا كريمة بل هو كذلك معاني عظيمة، وهذه المعاني العظيمة هي من الله رب الأرض والسموات، وقد وضعها في هذه الألفاظ، فنحن أثناء القراءة نتلقى المعاني العظيمة لنعمل بها في حياتنا ونؤجر كذلك مباشرة على الألفاظ الكريمة التي هي كلام الله العظيم المتعال.
ومن اقتصر على جمال الترتيل ، فاته خير التأويل ..