السبت، 12 مارس 2011

الموانع الخمسة/ االمانع الرابع : طغيان مبدأ التخصص



المانع الرابع
طغيان مبدأ التخصص
   عزيزي القارئ، لو أنك رأيت يوما من يبحث عن فقيه من الفقهاء ليسأل عن حكم الصلاة في الإسلام بحجة أنه يسأل أهل التخصص وأنه هو غير متخصص، فهل ترى ذلك الأمر مقبولا؟
   وإذا رأيت شخصا مسلما غنيا يسأل فقيها عن وجوب شيء يسمى الزكاة فهل تراه مقبولا؟
   هذه الصور غير مقبولة.. لماذا؟
   لأن المعلومات التي يسألون عنها هي من (البنية التحتية) المعرفية لأي مسلم.
   فمعرفة أن معرفة أن الصلاة واجبة على البالغ، وأن الزكاة واجبة على الغني، وأن الزنا حرام وأن الخمر حرام ...إلخ، فهذه الأمور هي من الأساسيات التي يعرفها كل مسلم، وليست من المسائل التي نذهب ونسأل عنها المتخصصين؛ فالمتخصصون لهم مسائلهم التخصصية الدقيقة، أما هذه المسائل أو هذه المعارف فإنها من الأساسيات التي يشترك فيها المسلمون أو هو ما ينبغي أن يكون عليه الحال.
   ولذلك لا تجد الفقهاء يقولون: إن مذهب الإمام أبي حنيفة هو أن الصلاة واجبة، أو إن مذهب الإمام مالك هو أن الزنا حرام، أو إن مذهب الإمام الشافعي هو أن الخمر حرام.. لأن هذه المسائل لا تحتاج فيها إلى سؤال الفقهاء.
   ولأجل ذلك لا يعتبر العلماء هذه المسائل من مسائل الفقه أصلا، لأنها لا تحتاج إلى اجتهاد واستنباط.
   هذا في الفقه وهو واضح، ولم يدخله الخلط والحمد لله. ولكن قد وقع الخلط في المعرفة التي تتعلق بالقرآن سواء في تفسير الآيات أو في علوم القرآن التي تتعلق به.
   إن الجهل بالقرآن منتشر في زماننا أكثر من الجهل ببعض الأحكام الرئيسية، وصار الناس في معلومات القرآن تماما كالذي يسأل الفقيه عن حكم الصلاة وحكم الزكاة وحكم شرب الخمر!
   ولكننا لا ننتبه إلى تلك الحقيقة لأن المسائل القرآنية قد اختفت تماما من القاعدة المعرفية للمسلم، ففي الفقه والأحكام الشرعة يستطيع الناس أن يدركوا تقصيرهم، لأن بعض الأحكام الأساسية لا تزال موجودة، فيمكنهم من خلال معرفتهم الأساسية أن يتصوروا المشكلة لو شرحناها لهم، أما علوم القرآن فإن مجرد التصور غير ممكن! لأن القاعدة الأساسية للمعرفة القرآنية تكاد تختفي تماما عند الناس، فلا توجد حتى بعض المسائل التي يمكن أن نضرب بها الأمثلة لتوضيح المسائل التي لا يعرفونها. وهنا نشعر بحجم المشكلة حين نجد صعوبة كبيرة في توضيحها للناس.
   وفي ظل افتقادنا للقاعدة المعرفية عن القرآن نرى جماهير الناس  تتوجه إلى المتخصصين في علوم القرآن يسألونهم عن كل شيء!.
وسؤال المتخصصين في ظل هذه الظروف ليس شيئا سيئا، بل هو المطلوب، ولكن الشيء السيئ هو أن يتحول الجهل بالقاعدة الرئيسية القرآنية إلى أمر عادي، بحيث يبرر الإنسان جهله بكونه غير متخصص!
   يعني تخيل معي الآن شخصا لا يعرف أن الصلاة فرض وأن الصيام فرض، وأن الخمر حرام، وأن الزنا حرام.. فتقول له: كيف يا فلان لا تعرف هذه الأحكام؟؟
   فيقول: هذا طبيعي؛ فأنا مهندس، ولست متخصصا في الفقه الإسلامي، وكل إنسان له تخصصه، فأنا درست في كلية الهندسة، وغيري درس في كلية الشريعة الإسلامية، وهكذا تتوزع الأدوار والتخصصات.
   فهل تقبل منه هذا التبرير؟.. الجواب لا؛ لأن هذه الأحكام لا تتعلق بمجال التخصص، وإنما هي قاعدة رئيسية من المعلومات، تسمى (المعلوم من الدين بالضرورة) وقد قال الفقهاء في كتبهم إن هذه الأحكام من ينكرها أو يقول هي ليست من الإسلام فإنه لايكون مسلما.
   وعلى الرغم من ذلك، فالواجب المتعين عليه الآن هو أن يسأل عن هذه الأحكام الأساسية، حتى لو كان المفترض أن يكون عارفا لها.. وليس العيب الآن في أن يسأل؟ ولكن العيب هو أن يعتبر الجهل بهذه المسائل شيئا عاديا لأنه غير متخصص في الفقه! ونفس الشيء في علوم القرآن وفهم القرآن.
   إن الارتكان إلى التخصص واعتبار كل المسائل المتعلقة بالقرآن هي من شأن المتخصصين قد ساهم مساهمته الرئيسية في أزمة فهم القرآن، لأن الذي يطمئن إلى أن جهله بمعاني القرآن هو شيء طبيعي، فإنه لن يتحرك ليرفع عن نفسه هذا الجهل، ولماذا يرفعه؟ إنه ليس من المتخصصين!.. وهل كل إنسان يكون مطالبا بمعرفة التخصصات الأخرى كلها! ..هكذا يفكر الناس، وهكذا استحكمت الأزمة.. أزمة فهم القرآن..
   إن الجزء الأكبر من المسؤولية يقع على عاتق المتخصصين في علوم القرآن؛ إنهم هم أيضا اعتبروا مايفيدون به الناس أنه مادة تخصص، فسكتوا عن جهل الناس، أو اشتكوا هم أيضا من جهل الناس، في حين أنهم هم المطالبون برفع الجهل عن الناس، لا أن يشتكوا منهم!
   إن الفقيه لو جاءه رجل يسأله: ما حكم الصلاة؟ إنني لا أعرف حكمها ..
   فهل يصح هنا أن يفتيه فيقول له: فرض، وينتهي الأمر إلى هذا الحد، ثم ينتقل إلى الفتوى التي بعدها!.. لا يصح هذا، ولابد من وقفة مع هذا السائل، فيسأله عن مولده ومكان إقامته وكيف تربى ونشأ ..إلخ، هذه الأسئلة تكشف سبب وصول السائل إلى هذه الحالة من الجهل بضروريات الإسلام، ثم لابد من أن يوجهه بعدها إلى أن يتعلم أساسيات دينه وأركان الإسلام ..إلخ، لا أن يخبره عن الحكم ويسكت!
   إن واجب المتخصصين في علوم القرآن كبير جدا، إن عليهم أن يمنحوا الناس القاعدة الرئيسية من العلم حول القرآن ، فليست كل المعارف والمعلومات حول القرآن هي من شأن المتخصصين، تماما كما أنه ليست كل الأحكام الفقهية هي أحكام تخصصية اجتهادية، ومن شأن الفقهاء.
   إن التخصص في حد ذاته شيء جيد، ولكنه يتحول إلى شيء سلبي لو توسع على حساب جهل عامة المسلمين، فيترك الناس جهّالا مساكين؛ كلما أرادوا أن يعرفوا أوضح معلومة ذهبوا إلى المتخصصين.
   وبهذا اعتبر الناس أن أية معلومات تتعلق بالقرآن سواء في تفسيره أو في علومه هي من شأن التخصص، وبالتالي لم يعرفوا من القرآن إلا قراءة حروفه!
   إن هذا السلوك المغلوط قد انبنى عليه مفهوم آخر هو غلط كذلك، وما ينبني على باطل فهو باطل.. هذا المفهوم الجديد هو الفصل بين العلم بالقرآن وبين المعارف الروحانية القرآنية.. فنسمع البعض يقول – مثلا -:
(إننا مع تقديرنا للعلم واحترامنا له، إلا أن هناك أفرادا ليسوا من أهل التفسير والعلم فيه، ولكن لهم نفحات من الله لإخلاصهم ولصدق نفوسهم ..إلخ، وهؤلاء نستفيد من خواطرهم وكتاباتهم أمورا تربوية في النفس ولا نأخذ منهم علما..) أو كلاما قريبا من هذا.
    هذا الفكر خطأ وخطير جدا، إنه يقوم على أساس أن كل علم أو كل فهم يتعلق بالقرآن هو من شأن المتخصصين، فلابد وأن تسأل فيه المتخصص، يعني لا تتجاوز في القرآن أن تقرأ الأحرف وتتلفظ بها فقط، أما أن تفهم أدنى فهم فهو ليس من العلم، فليس إذا من شأنك، وإنما هو من شأن المتخصصين!!.. ثم لما رأوا أن هناك كتابات قوية ومؤثرة من أفراد لا يقال عنهم إنهم (مفسرون) لم يجعلوا هذه الكتابات علما؛ لأن العلم عندهم لا يأتي أبدا إلا من المتخصصين، فتخبطوا في إطلاق الأسماء المناسبة على محتوى هذه الكتابات.. فمرة يقولون نفحات ومرة إلهامات ومرة توفيقات.. ونحو ذلك.
   إن الناس يملكون – تحت كل الحوال - قدرا ولو صغيرا من فهم القرآن بطريقة أو بأخرى، وهذا يدل عليه النظر العقلي الصحيح؛ فالقرآن قد نزل على البشر ليقرر أول مايقرر دلائل التوحيد، أي أن أول ما يوجبه القرآن على الإنسان التأمل والنظر بالعقل في الكون، ليتعرف الإنسان ربه وخالقه.. يظهر ذلك جليا من خلال الآيات التي تحض على النظر والتدبر في (العالم العلوي) و (العالم السفلي) و (في نفس الإنسان).. فهذه ثلاثة مواضع هي جهات للتأمل، وقد دار القرآن عليها في توجيهه للنظر والتدبر..
   فلو أن الإنسان انتقل من هذه الآيات القرآنية لينفذ المطلوب فيها، وهو التأمل في الكون، فهذا يعني لزاما أنه قد فهم هذه الآيات القرآنية، فلو فعل ذلك من لم يكونوا متمكنين في اللغة ولكنهم يفهمون الكلمات القرآنية التي تأمرهم بالنظر في الكون، فهذا يعني أنهم يملكون مقدارا من الفهم في القرآن، حتى مع ضعف لغتهم.
   تأمل هذه الآيات من سورة الأنعام وعش معها :
(إن الله فالق الحبي والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي، ذلكم الله ربكم فأنى تؤفكون. فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا، ذلك تقدير العزيز العليم. وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر، قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون. وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع، قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون. وهو الذي أنزل من السمآء مآء فأخرجنا به نبات كل شيء فأخرجنا منه خضرا نخرج منه حبا متراكبا ومن النخل من طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه، انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون. وجعلوا لله شركآء الجن وخلقهم، وخرقوا له بنين وبنات بغير علم، سبحانه وتعالى عما يصفون. بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة، وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم. ذلكم الله ربكم خالق كل شيء فاعبدوه، وهو على كل شيء وكيل. لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير. قد جآءكم بصآئر من ربكم، فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها، وما أنا عليكم بحفيظ) [الأنعام:95-104]
   هل تراك قد فهمت هذه الكلمات القدسية الجميلة وعرفت المراد منها ؟.. هل تراك تحتاج في فهمها إلى الرجوع لمتخصص يفهمك المعاني الرئيسية الواضحة فيها؟
   لا شك أن هناك ما سنحتاج أن ترجع فيه إلى أهل العلم والإخلاص والتقوى من أهل القرآن العالمين العاملين.. ولكن، ليس كل القرآن.. ولا يفقدك هذا علاقتك الشخصية مع الله من خلال القرآن، فافهم القرآن :
(ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر) [القمر:17]
   العلاج:
   المفهوم الذي ينبني عليه علاج هذه المشكلة هو أن يدرك المسلم أن هناك قاعدة من فهم القرآن لابد وأن يكون ملما بها، فقد كان منهج الصحابه – رضي الله عنهم - في التعامل مع القرآن هو أن يتلقوه أولا كخطاب مباشر لهم يفهمونه، فقد كانوا عربا يفهمون القرآن، وعلى الرغم من أننا لسنا عربا نفهم العربية على وجهها الصحيح، إلا ان هناك معاني قرآنية واضحة يمكن أن نحصل عليها من خلال تدبرنا وتأملنا لبعض الوقت في القرآن، وهي أوسع أيضا من المعاني المباشرة الواضحه التي نعرفها من أول لحظة نقرأ فيها الكلمات العربية في القرآن.
   إنني أدعو إلى التأمل..أي أن يتأمل المسلم في القرآن العظيم بحسب ما تقدر عليه معرفته باللغة العربية، ثم ما لا يفهمه أو ما يستشعر أنه من شأن المتخصصين، فواجبه هنا أن يتوجه إلى أهل الاختصاص، فالله تعالى يقول (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون).
   إنني أعلم أن القاعدة المعرفية بالقرآن تختلف من جيل إلى جيل ومن بيئة إلى بيئة، فالقاعدة عند الصحابة والأجيال الأولى تختلف عن القاعدة عند من بعدهم، تختلف عن القاعدة في القرون الأخيرة، ولكن هناك قاعدة معرفية على كل حال، وينبغي أن نحافظ أولا على هذه القاعدة ثم نعمل على توسيعها بقدر الإمكان، بشرط ألا تدخل في دائرة التخصص، فإن اقتربنا من دائرة التخصص كانت هناك قوانين أخرى للفهم. والذي لا نقبله بحال هو أن تختفي تماما هذه القاعدة.
إن إعادة العلاقة مرة أخرى بين المسلمين وبين قرآنهم هو مما نسعى إلى تحقيقه من خلال المشاريع والمؤلفات في مجال بالقرآن العظيم ..نعم، نريد من كل مسلم:
مصحفا في يده وفهما في عقله.

الموانع الخمسة/ االمانع الثالث : التأثر الذاتي بألفاظ القرآن



المانع الثالث
التأثر الذاتي بألفاظ القرآن
   هذا السبب قد يبدو للقارئ غريبا بعض الشيء، ولكنه شيء واقعي نعيشه ويمكن أن نشعر به لو انتبهنا إليه، بل ويشعره غيرنا كذلك من غير المسلمين! بل ويشعره من لا يعرف اللغة العربية!!
   تعال أخي القارئ نأخذ جولة مختصرة في السيرة النبوية نكتشف من خلالها شيئا ما، ثم نعود لننظر أمر هذه المشكلة...
   جاء في السيرة النبوية أن عتبة بن ربيعة كان جالسا يوما مع بعض أفراد من قريش، وكان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا وحده في الحرم، فاقترح عتبة بن الربيعة على أصحابه أن يقوم إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويعرض عليه عرضا لعله يقبله، فوافقوه على ذلك...
   فقام عتبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وعرض عليه المال إن كان يريد المال، وعرض عليه الشرف ورئاسة الكلمة إن كان يريد ذلك، وعرض عليه الملك والسلطان إن كان يريده، أي إنه إن كان النبي صلى الله عليه وسلم يريد بدعوته الإسلامية شيئا من ذلك حققوه له ، على أن يكف عن دعوته وعن إساءته إلى آلهتهم الباطلة.
   ثم عرض عتبة في النهاية أن لو كان الوحي الذي يأتيه هو شيء من التخيلات أو التهيؤات، فإنهم يبذلون له من أموالهم ويجلبون له من يشفيه حتى يشفى.. فلما سكت عتبة بن ربيعة وفرغ من كلامه، قال له رسول الله :
   " أقد فرغت يا أبا الوليد ؟ "
   فقال : نعم.
   قال : فاستمع مني:
   (حم، تنزيل من الرحمن الرحيم، كتاب فصلت آياته قرانا عربيا لقوم يعلمون، بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون، وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل إننا عاملون) [فصلت:1-5]
   فلما أخذ النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ من سورة فصلت أنصت عتبة بن ربيعة للقرآن! وألقى يديه  خلف ظهره واستند عليهما، وهو يركز في القرآن!
   ثم انتهى الرسول صلى الله عليه وسلم إلى آية السجدة من السورة فسجد، ثم قال:
   " قد سمعت يا أبا الوليد ، فأنت وذاك "
   فلما  رجع عتبة إلى قومه لاحظوا عليه تغيرا، فلما سألوه قال:
   سمعت قولا والله ماسمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر، ولا بالسحر، ولا بالكهانة، يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها بي، وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه، فاعتزلوه، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم.
   هل تلاحظ ؟.. لقد حدث شيء في نفس عتبة بن ربيعة لما سمع القرآن..!
   سنعود إن شاء الله ونرى ما هو هذا الشيء ولكن دعنا نتاول مثالا آخر من السيرة النبوية..
   في ذات ليلة خرج أبو سفيان بن حرب وأبو جهل والأخنس بن شريق كل واحد بمفرده.. خرجوا ليستمعوا لقراءة النبي للقرآن وهو يصلي في بيته!
   وكل واحد يظن أنه الوحيد الذي خرج.. وظل كل واحد منهم مختبأ يسمع القرآن، حتى طلع الفجر وقام كل واحد ليرجع إلى منزله، فالتقوا في الطريق عن غير قصد منهم، فلام بعضهم بعضا على هذا الفعل، وقال بعضهم لبعض: لاتعودوا لهذا الفعل فلو رآكم بعض سفهائكم – أي خفاف العقول - لأوقعتم في أنفسهم شيئا.
   ثم تكررت نفس الأحداث في الليلة التالية !!
   ثم في الليلة الثالثة تكرر منهم الذهاب والجلوس والاستماع للقرآن!! وظلوا متخبئين كل واحد بمفرده إلى الفجر كما في الليلتين السابقتين، ثم لما قام كل واحد ليرجع إلى بيته التقوا كذلك في الطريق ، فقال بعضهم لبعض لا نتحرك من مكاننا حتى نتعاهد على ألا نعود...
    ما الأمر إذا ؟.. الأمر هو أن القرآن يحمل خاصية لا يحملها أي كلام آخر؛ وهو (التأثير الذاتي) في النفوس.
   ومعنى التأثير الذاتي في النفوس هو أن القرآن إذا قرأه الإنسان على أصوله بإتقان المخارج وصفات الحروف، والتزم القارئ الهيئة المناسبة من الوقار والإجلال والسكينة، فإن القرآن يكون له تأثير كبير في نفوس الناس حتى وإن لم يكن الإنسان فاهما له، بل حتى وإن كان من غير العرب أصلا!!
   وفي هذا يحكي لنا الأستاذ سيد قطب رحمه الله تجربته مع السيدة اليوغسلافية التي كانت على ظهر السفينة المسافرة إلى الولات المتحدة سنة 1948م، وأنبه القارئ إلى أن الأستاذ سيد قطب هنا قد فصّل هذه الحقيقة تفصيلا جيدا، فنرجو من القارئ التركيز في كلامه. يقول رحمه الله:
   (إن الأداء القرآني يمتاز ويتميز من الأداء البشري.. إن له سلطاناً عجيباً على القلوب ليس للأداء البشري؛ حتى ليبلغ أحيانا أن يؤثر بتلاوته المجردة على الذين لا يعرفون من العربية حرفاً.. وهناك حوادث عجيبة لا يمكن تفسيرها بغير هذا الذي نقول - وإن لم تكن هي القاعدة - ولكن وقوعها يحتاج إلى تفسير وتعليل . . ولن أذكر نماذج مما وقع لغيري؛ ولكني أذكر حادثا وقع لي وكان عليه معي شهود ستة، وذلك منذ حوالي خمسة عشر عاماً..)
   فننتبه هنا إلى أنه يقرر وجود (التأثير الذاتي) لمجرد التلاوة للقرآن، سواء وقع هذا التأثير على من يفهمون العربية أو لا يفهمونها.. ثم يقول رحمه الله حاكيا القصة:
(..كنا ستة نفر من المنتسبين إلى الإسلام على ظهر سفينة مصرية تمخر بنا عباب المحيط الأطلسي إلى نيويورك؛ من بين عشرين ومائة راكب وراكبة أجانب ليس فيهم مسلم.. وخطر لنا أن نقيم صلاة الجمعة في المحيط على ظهر السفينة! والله يعلم أنه لم يكن بنا أن نقيم الصلاة ذاتها أكثر مما كان بنا حماسة دينية إزاء مبشر كان يزاول عمله على ظهر السفينة؛ وحاول أن يزاول تبشيره معنا!.. وقد يسر لنا قائد السفينة - وكان انجليزياً - أن نقيم صلاتنا؛ وسمح لبحارة السفينة وطهاتها وخدمها - وكلهم نوبيون مسلمون - أن يصلي منهم معنا من لا يكون في "الخدمة" وقت الصلاة! وقد فرحوا بهذا فرحاً شديداً، إذ كانت المرة الأولى التي تقام فيها صلاة الجمعة على ظهر السفينة. . وقمت بخطبة الجمعة وإمامة الصلاة؛ والركاب الأجانب - معظمهم - متحلقون يرقبون صلاتنا!.. وبعد الصلاة جاءنا كثيرون منهم يهنئوننا على نجاح "القدّاس" !!! فقد كان هذا أقصى ما يفهمونه من صلاتنا ! ولكن سيدة من هذا الحشد - عرفنا فيما بعد أنها يوغسلافية مسيحية هاربة من جحيم "تيتو" وشيوعيته ! - كانت شديدة التأثر والانفعال، تفيض عيناها بالدمع ولا تتمالك مشاعرها. جاءت تشد على أيدينا بحرارة؛ وتقول- في إنجليزية ضعيفة - إنها لا تملك نفسها من التأثر العميق بصلاتنا هذه وما فيها من خشوع ونظام وروح!.. وليس هذا موضع الشاهد في القصة.. ولكن ذلك كان في قولها: أي لغة هذه التي كان يتحدث بها "قسيسكم"! فالمسكينة لا تتصور أن يقيم "الصلاة" إلا قسيس - أو رجل دين - كما هو الحال عندها في مسيحية الكنيسة! وقد صححنا لها هذا الفهم! وأجبناها.. فقالت: إن اللغة التي يتحدث بها ذات إيقاع موسيقي عجيب، وإن كنت لم أفهم منها حرفا.. ثم كانت المفاجأة الحقيقية لنا وهي تقول: ولكن هذا ليس الموضوع الذي أريد أن أسأل عنه.. إن الموضوع الذي لفت حسي، هو أن "الإمام" كانت ترد في أثناء كلامه - بهذه اللغة الموسيقية - فقرات من نوع آخر غير بقية كلامه! نوع أكثر موسيقية وأعمق إيقاعا.. هذه الفقرات الخاصة كانت تحدث فيّ رعشة وقشعريرة! إنها شيء آخر! كما لو كان - الإمام - مملوءا من الروح القدس! - حسب تعبيرها المستمد من مسيحيتها! - وتفكرنا قليلا. ثم أدركنا أنها تعني الآيات القرآنية التي وردت في أثناء خطبة الجمعة وفي أثناء الصلاة! وكانت - مع ذلك - مفاجأة لنا تدعو إلى الدهشة، من سيدة لا تفهم مما نقول شيئا !
   وليست هذه قاعدة كما قلت. ولكن وقوع هذه الحادثة - ووقوع أمثالها مما ذكره لي غير واحد - ذو دلالة على أن في هذا القرآن سراً آخر تلتقطه بعض القلوب لمجرد تلاوته. وقد يكون إيمان هذه السيدة بدينها، وفرارها من الجحيم الشيوعي في بلادها، قد أرهف حسها بكلمات الله على هذا النحو العجيب.. ولكن ما بالنا نعجب وعشرات الألوف ممن يستمعون إلى القرآن من عوامنا لا يطرق عقولهم منه شيء، ولكن يطرق قلوبهم إيقاعه - وسره هذا - وهم لا يفترقون كثيرا من ناحية فهم لغة القرآن عن هذه السيدة اليوغسلافية!!!) ا.هـ
   ومن هذه القصة الماتعة التي تعمدت أن أضعها بطولها، يتبين لك أن القرآن قد أثّر تأثيره الذاتي في المرأة التي لا تعرف اللغة العربية أصلا، وأن جماهير المسلمين الآن تتأثر به هذا التأثر وهي لا تفهم القرآن، تماما كما أن المرأة اليوغسلافية لا تفهم القرآن..
   بل أكثر من هذا، وهو أن بعض اليهود والنصارى كانوا يسلمون حينما يسمعون القراءة الصحيحة والجميلة للقرآن الكريم!
   يخبرنا بهذا إمام الدنيا في القراءات القرآنية محمد بن الجزري، وذلك في كتابه (النشر في القراءات العشر) فيقول رحمه الله :
   (ولقد أدركنا من شيوخنا من لم يكن له حسن صوت ولا معرفة بالألحان إلا كان جيد الأداء؛ قيما باللفظ؛ فكان إذا قرأ أطرب المسامع؛ وأخذ من القلوب بالمجامع، وكان الخلق يزدحمون عليه، ويجتمعون على الاستماع إليه أمم من الخواص والعوام، يشترك في ذلك من يعرف العربي ومن لا يعرفه من سائر الأنام، مع تركهم جماعات من ذوي الأصوات الحسان، عارفين بالمقامات والألحان؛ لخروجهم عن التجويد والإتقان. وأخبرني جماعة من شيوخي وغيرهم أخباراً بلغت التواتر عن شيخهم الإمام تقي الدين محمد بن أحمد الصائغ المصري رحمه الله وكان أستاذاً في التجويد أنه قرأ يوماً في صلاة الصبح }وتفقد الطير فقال لا مالي أرى الهدهد{ كرر هذه الآية فنزل طائر على رأس الشيخ يسمع قراءته حتى أكملها فنظروا إليه فإذا هو هدهد، وبلغنا عن الأستاذ الإمام أبي محمد عبد الله بن علي البغدادي المعروف بسبط الخياط مؤلف المبهج وغيره في القراءات رحمه الله أنه كان قد أعطى من ذلك حظاً عظيماً، وأنه أسلم جماعة من اليهود والنصارى من سماع قراءته..) ا.هـ
   إن الأمر هنا لا يتعلق بجمال الصوت، ولا بالمقام الموسيقي الذي يقرأ به القارئ ويحاول أن يلتزم به كما يفعل البعض الآن ممن لا يوقرون القرآن حيث يتعلمون المقامات الموسيقية!.. إن الأمر هنا هو شيء موجود في ذات القرآن، هو تأثير ذاتي ينبع من كونه قرآنا، ولا تتحقق هذه الميزة في أي كلام آخر.
   إذا كان الناس فيهم المتخصصون الذين يتوجهون في القرآن إلى دقائق المسائل، وإذا كان جمهور كبير من الناس  يستطيعون فهم المعاني الأساسية والعامة في القرآن لأنهم يعرفون اللغة العربية ولو من بعيد... فإن البشرية كلها تلحظ هذا التأثير الذاتي في القرآن، والذي يأخذها ويذهب بها، سواء كانوا من العلماء المتخصصين، أو كانوا من العارفين باللغة العربية معرفة عامة، أو كانوا من الذين لا يعرفون اللغة العربية أصلا ولا يتخصصون في شيء على الإطلاق!
   هذا من عظمة القرآن، كلام الله..
   ولكن.. كالعادة، تعامل الناس مع هذا الشيء الجميل تعاملا سلبيا، فإذا سمع كثير من الناس القرآن وتأثروا به دون فهم معناه، اكتفوا بذلك التأثر، وظنوا أن هذا التأثر هو المطلوب من سماع القرآن.
   ونلاحظ هذا في حال كثير من الناس الذين هم بعيدون جدا عن فهم القرآن وعن العمل به، ثم هم يحبون الاستماع الى القرآن لتستمتع نفوسهم بما تجده من تأثير القرآن الخلاب ، فإذا استمعوا واستمتعوا  ظنوا أن ذلك هو المراد تحققه من القرآن، وأنه هو الهداية التي تحدث به، وإن لم يقولوا ذلك بألسنتهم، فإن للنفس وقناعتها حديثا لا يشترط أن يتلفظ به اللسان، فالنفوس تقتنع وتكتفي بذلك التأثير.
   هذا التأثير بالقرآن ربما كان أكثر إشكالا من المشكلتين السابقتين؛ لأن وقوع الأثر في نفس سامع القرآن وشعوره بحقيقة هذا الإحساس يجعله يلمس بيديه شيئا حقيقيا قد حدث بسماعه للقرآن فيكون قد لمس شيئا حقيقيا قد حصل بهذا السماع، بخلاف موضوع الإجلال والتعظيم، فربما يتطرق إلى نفسه أنه موروث بحكم أنه ولد من أب وأم مسلمين ووسط أناس يقبّلون المصحف ويضعونه على الأرفف. وبخلاف موضوع الأجر على القراءة المجردة، لأن الأجر ربما يحدث وربما لا يحدث، وهو على كل حال من أمور الغيب، أما الشعور الحادث بالقراءة فهو شيء ملموس قد وقع فعليا، وقد تيقن الإنسان حدوثه في نفسه.
العلاج:
   اعلم أولا وقبل كل شيء، أن هذا الشعور الذي يأتيك حينما تسمع القرآن هو شعور مشترك يحدث للمسلم والكافر!
   فربما يسمع الكافر القرآن فيتأثر تأثرا شديدا ثم لا يهديه الله للإسلام!
   وقد رأيت ما كان من عتبة بن ربيعة لما سمع القرآن وتأثر به، ولكنه لم يؤمن لما سمعه، بل ذهب يحذر قومه من التعرض لعظمة القرآن! مما يؤكد أن القرآن قد أثر في نفسه، ولكن هذا التأثير قد أتى بثمرة سلبية، لأن قلبه أصلا لم يكن مستعدا للإيمان.. وكذلك الثلاثة وهم أبو سفيان بن حرب وأبو جهل والأخنس بن شريق كل مرة يلوم بعضهم بعضا ويتفقون، ثم في المرة الثالثة تعاهدوا ولم تذهب عداوتهم للقرآن رغم تأثرهم به!
   إذا ، فالتأثر وحده لايثبت لك به أي فضل ، لأنه ليس نابعا منك ابتداء، بمعنى أنه ليس ناتجا عن تصرف منك ولا تعظيم وإجلال منك ولا حتى رغبة في الأجر.
   فالكفار لا يعظمون ولا يرغبون بالأجر ورغم ذلك فقد تأثروا بالقرآن.. لذلك أسميناه (التأثير الذاتي) أي أنه من ذات القرآن، ولا دخل لإيمان الشخص فيه.
   وكما قرأنا في كلام الإمام ابن الجزري أنه حتى الذين لا يعرفون العربية يستوقفهم القرآن.
   إذا عرفت هذا فينبغي أن تدرك أن المطلوب منك تجاه القرآن لم يتحقق بهذا التأثر الذي وقع داخلك، وعليك أن تبدأ حالا في تدبر القرآن في معانيه وأحكامه، بقطع النظر عما يحدث داخلك من الشعور بسماع القرآن، فقد عرفت ما هو مصدره. والله تعالى يوفقك .

الموانع الخمسة/ االمانع الثاني : فضل القراءة المجردة للقرآن



المانع الثاني
فضل القراءة المجردة للقرآن
   هل يقرأ الإنسان كتابا وهو لا يفهمه ويكون مقتنعا مسرورا بقراءته؟!
   هذا لا يكون أبدا، خاصة إذا عرفنا أن عملية القراءة هي عملية مملة نوعا ما، وتحتاج إلى صبر، إلا في كتاب واحد... هو القرآن !
   القرآن هو الكتاب الوحيد الذي يكون المسلم مسرورا وهو يقرأ فيه حتى وإن لم يفهم معاني الكلمات التي يقرأها! ومن أسباب ذلك أن المسلم يعلم أنه يؤجر على مجرد القراءة للقرآن، فالقراءة المجردة هي عبادة مستقلة بذاتها. فالقرآن وحي من الله تعالى يتميز عن الوحي الثاني - وهو السنة - بعدة ميزات منها أنه (متعبد بتلاوته)  أي أن المؤمنين يتعبدون بتلاوة القرآن الكريم داخل الصلاة وخارجها، وهذا لا يتحقق للوحي الثاني الذي هو الأحاديث النبوية الشريفة لأن نصوصها ليست من الله، وإنما هي من تعبير النبي صلى الله عليه وسلم، وحتى الأحاديث القدسية التي يبلغها النبي هي ليست كالقرآن، فنحن لا نتعبد بتلاوتها كما نتعبد بالقرآن.
   والأصل الأعظم الذي يبنى عليه المسلمون هذا المفهوم هو قول النبي صلى الله عليه وسلم: (مَن قرأ حرفاً مِن كتاب الله فله به حسنة ، والحسنة بعشر أمثالها ، لا أقول الم  حرف، ولكن ألِف حرف، ولامٌ حرف، وميمٌ حرف) [رواه الترمذي وصححه]
   والتعبد بتلاوة القرآن هو أمر جيد وإيجابي في حد ذاته، تماما كما أن تقديس القرآن أمر إيجابي وضروري للمسلم، ولكن المشكلة هي في تصرف المسلم تجاه ذلك.
   إن اطمئنان المسلم إلى حصوله على الأجر بمجرد التلاوة جعلته يتباطأ أو يتكاسل عن تدبر معاني القرآن، لأنه يقرأ وهو  يعلم أن عداد الحسنات لا يتوقف.. فهو يقرأ ويقرأ ويقرأ ليزيد حسناته، وفي خضم كل ذلك ينسى القارئ موضوع التدبر وأنه كذلك مطلوب منه، بل هو أولى.
   يذكر لي أحد الإخوان أنه جرب ختم القرآن عدة مرات في رمضان، ولكن ذلك أثّر لديه على مساحة التدبر، فقرر أن يقرأه في رمضان مرة واحدة – فيما أذكر - ولكن بتدبر وتفكر في الآيات، فيقول إنه قد شعر في البداية بعدم الرضا عن نفسه ، حيث هبط عنده مستوى الاجتهاد في تلاوة القرآن في ذلك الشهر العظيم، ولكنه يخبرني كذلك أنه حينما ختم في رمضان ختمة واحدة بالتدبر، شعر بفارق عظيم جدا في فهم القرآن وتدبره، وكان راضيا عن ذلك الإجراء .
   وهذا لا يعني أبدا أننا ننصح بتلاوة القرآن مرة واحدة في رمضان؛ فهي مجرد تجربة شخصية يعكس بها صاحبها مفهوما عظيما هو ضرورة وجود التدبر والتفكر أثناء قراءة القرآن، وهذه الأمور تختلف من شخص إلى آخر، فربما كان هناك من يقرأ ختمة أو ختمتين أو ثلاث ختمات في رمضان، وهو يتدبر ويتعمق في معاني القرآن، ويخرج منه بقرارات جذرية تغير الكثير من فعاليات حياته، وهناك من يقرأ بضع آيات فقط في اليوم كله ولا يتدبر منها إلا القليل.. فالمهم هو التدبر، وكلما  قرأ الإنسان كثيرا مع التدبر والتفكر كان جامعا بين الحسنين.
   إن المشكلة هي أن الإنسان يتخذ من القرآن مجرد قراءة صوتية يأخذ عليها الحسنات الكثيرة، فيتكاسل عن الاجتهاد في الفهم والتدبر.

   العلاج :
   اعلم، أخي المسلم، أن الله تعالى لم يذم الكفار على عدم تلاوة القرآن! وإنما ذمهم على عدم تدبره ..
   (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها) [محمد:24]
   (أفلا يتدبرون القرآن، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) [النساء:82]
   وهذا يدلك على أن التدبر هو الواجب الذي يسبق التعبد بالتلاوة، لماذا؟
   لأن التدبر هو الطريق المؤدي إلى حصول الإيمان في القلب والإيمان هو شرط صحة الأعمال، فلا تصح أية عبادة دون تحقق الإيمان أولا، ومجرد قراءة القرآن لا قيمة لها إذا وقعت من غير المؤمن، فالله تعالى يقول (..ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخر من الخاسرين) [المائدة:5]
   والطريق إلى الإيمان هو التفكر والتدبر بالعقل أولا، وهو ما دلنا عليه القرآن، بل هو من أغراض نزول القرآن.. تأمل هذه الآيات :
   (أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت، وإلى السماء كيف رفعت، وإلى الجبال كيف نصبت، وإلى الأرض كيف سطحت) [الغاشية:17-20]
   (أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون) [الأعراف:185]
   (أفلم ينظروا إلى السماء فوفهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج، والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج، تبصرة وذكرى لكل عبد منيب) [ق:6-8]
   ومثلها كثير جدا في القرآن..
   فالتدبر بالعقل عموما هو طريق حصول الإيمان، وتدبر القرآن وما يشير إليه القرآن من الكون هو غرض رئيسي لإنزاله، ويستمر هذا التدبر والتفكر في كلام الإله الذي أنزل القرآن حتى بعد حصول الإيمان بسبب التدبر الأول.
   وما تلاوة القرآن والأجر عليها بعد ذلك إلا عبادة من العبادات التي يدفع إليها هذا الإيمان الذي  قد حصل بالتدبر. (فكر جيدا في هذه العلاقة المهمة، فالقراءة هي عبادة من العبادات التي تحصل بالإيمان، والإيمان لا يكون إلا بالتدبر أولا).
   إننا لا نقول لك لا تتعبد بالقرآن، فذلك ليس هو العلاج الذي نقدمه، بل إننا ندفعك دفعا إلى الإكثار من التلاوة، ولكن عليك أن تقرأ بتدبر وتفكر، وعليك أن تعرف معاني الكلمات القرآنية وأنت تقرأ..
   لا تترك الآية تمر عليك وأنت لا تفهمها..
   وحتى لو كنت تفهم أغلب معاني الآية واستشكلت عليك كلمة واحدة، فعليك أن تفتح كتاب "كلمات القرآن تفسير وبيان " للشيخ حسنين مخلوف رحمه الله، وأن تفهم معنى الكلمة، ثم عليك أن تعيد قراءة الآية مرة أخرى بعد أن فهمت معنى الكلمة.
   وإذا اضطررت أن تقلل مقدار ما تقرأ في اليوم الواحد أو في الورد القرآني نتيجة التدبر وقراءة المعاني والتفاسير لأنها تأخذ من الوقت، فلا مانع من ذلك، قم بتقليل الكمية المقروءة في مقابل أن تتدبر وتتفكر وتعرف معاني القرآن.. فلكل شيء ضريبة.. وإن الأجر الذي ترجوه من القراءة المجردة تجني أضعافه إن شاء الله من العمل في حياتك كلها بما يفتح الله عليك من فهم القرآن العظيم.
   فالعلاج إذا لهذا السبب هو أن تعلم أن التدبر هو المقصود الأول والرئيسي للقرآن، وأن القرآن الكريم ليس فقط ألفاظا كريمة بل هو كذلك معاني عظيمة، وهذه المعاني العظيمة هي من الله رب الأرض والسموات، وقد وضعها في هذه الألفاظ، فنحن أثناء القراءة نتلقى المعاني العظيمة لنعمل بها في حياتنا ونؤجر كذلك مباشرة على الألفاظ الكريمة التي هي كلام الله العظيم المتعال.
ومن اقتصر على جمال الترتيل ، فاته خير التأويل ..

الأربعاء، 9 مارس 2011

الموانع الخمسة / المانع الأول : التقديس الذاتي للقرآن


المانع الأول
التقديس الذاتي للقرآن
   لو أنني أعطيتك كتابا في (الطبيعة) يتكلم عن بعض أنواع الأحياء، أو كتابا علميا يتناول تفصيلا وشرحا لبعض المعادلات، وطلبت منك أن تقرأ هذا الكتاب، وقلت لك : هذا كتاب مشهور عند أهل التخصص، ويعظمونه جدا، لذلك فاقرأه.
   ولكنك بمجرد أن بدأت في القراءة وجدت أن الكتاب صعب في إيصال المعلومة، وأنك تبذل مجهودا كبيرا لتفهم منه معلومة واحدة عادية، أو أنك لا تخرج منه بفائدة أصلا، فالنتيجة الطبيعية لذلك هي أن تترك الكتاب، أو تبذل مجهودا مضاعفا لمحاولة الحصول على فائدة منه، فإن عجزت عن ذلك أو كانت الفائدة أقل من المجهود، فهنا ستترك الكتاب جانبا دون تردد، ولن تعيره اهتماما.
   فلو قلت لك : ليس مهما أن تفهم، ولكن اقرأ الكتاب لأنه عظيم عند أهل التخصص ، فسيكون الرد الطبيعي : إنك مجنون !
   هذا التصرف مع الكتاب هو رد الفعل الطبيعي تجاه أي كتاب لا يمكنك فهمه، فعظمة الكتاب هذه يدركها من يفهموه أو يقدرونه، أما أنا فلابد من أن أفهم الكتاب أولا حتى أقول هو عظيم، وأستمتع بعظمته. أما لو لم تفهمه فإما أن تتركه، وإما أن تبذل جهدا مضاعفا لفهمه؛ ففهم الكتاب هو الدافع الوحيد لبذل مجهود فيه.
   أما القرآن فهو على خلاف ذلك كله ..!
   اذهب إلى بائع الخضروات الجالس بالسوق، أو استوقف أي بائع متجول في الطريق، أو أي شخص من حولك، واسأله : هل هذا القرآن فيه كل شيء؟
سيقول لك : نعم طبعا هذا (كلام ربنا ) فيه كل شيء ..
قل له : فيه كل شيء من العلم ؟ فيه الحساب... والفلك... والطبيعة ...؟
ربما قال لك : نعم ، فيه كل شيء حتى اسمي واسمك ورزقي ورزقك..و(كل حاجة هتلاقيها في القرآن )..
   هنا، ناوله المصحف وقل له: استخرج لي شيئا واحدا من هذا الـ (كل شيء) الموجود في القرآن.
   لن يستطيع أن يخرج لك شيئا واحدا، وربما كان في الأصل أميا لا يقرأ!!
   ما الأمر؟ ما الذي أوجد هذا الفارق بين القرآن وبين غيره من الكتب؟
   إن السر في ذلك هو أن القرآن يحمل قدسية خاصة عند المسلمين لا يحملها أي كتاب آخر على سطح المعمورة؛ فهو الكتاب الوحيد الذي أستطيع أن أجزم أنه يحوي كل شيء حتى ولو لم أفهم أنا هذه الأشياء من المصحف، أي إنني يمكنني بكل اطمئنان أن أقول: إنني أنا الذي لم يفهم القرآن، أما القرآن في ذاته فهو حق، ولا باطل فيه.
   ومصدر هذه القدسية هو كون القرآن كلام الله العظيم الجليل، فلا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو كتاب عليّ حكيم محفوظ في أم الكتاب عند الله، فكيف أعامله معاملة الكتب الأخرى؟
   ذلك التقديس – الذي هو حق في ذاته – أورث المسلمين الآن نوعا من الاطمئنان، أدى بهم إلى أن يتقاعدوا عن فهم القرآن العظيم. فكيف وقع ذلك؟
   إن القرآن هو مرجع ودستور هذه الأمة، وهذا يكسبه اهتماما عند المسلمين عظيما من حيث صحة معانيه وعصمتها عن الخطأ، فلو كان القرآن العظيم هو كالكتب الأخرى، لاجتهد المسلمون اجتهادا عظيما في إثبات صحة المعاني والمفاهيم الواردة فيه؛ لأنه دستورهم ومرجعيتهم، أي أنهم سيكونون مضطرين إلى الدفاع عنه، سواء أمام أنفسهم أو أمام الأمم الأخرى، كما تدافع أية أمة عن دستورها، وهذا حال أي مجتمع يصنع لنفسه دستورا بشريا يسير عليه، فهم في حالة استنفار دائمة لإحاطة دستورهم بالمكانة المناسبة التي يرضونها له .
   ولكن، لما كان القرآن له قدسيته الخاصة عند المسلمين، لأنه كلام الله، فهنا لا يجد المسلم نفسه في موقف حرج إذا هو لم يفهم القرآن، لأن القرآن لا ينتظره ليثبت صحته ويدافع عنه، وهنا يطمئن المؤمن تجاه هذه المسؤولية حتى لو لم يفهم القرآن، فيتقاعد عن فهمه، ويرى الأسهل في نفسه والأقرب أن كلما لم يفهم شيئا من القرآن اتهم نفسه وعقله هو، وأجّل محاولة الفهم لوقت آخر، فالأمر ليس عاجلا من وجهة نظره..
   وأحيانا نرى البعض يعبر عن ذلك بأنه يريد الحصول على بعض كتب التفسير السهلة، أو يريد تجميع حلقات الشيخ الشعراوي ..إلخ، ثم تمر الأعوام ولا يفعلون شيئا.
   تلك هي المشكلة التي تشكل السبب الأول لعدم فهم القرآن وهي (قداسة القرآن).. ونلاحظ هنا أن قداسة القرآن هي شيء إيجابي في نفسه، بل ضروري لثبوت وصف الإسلام، فلا يكون مسلما من لم يعظم القرآن، ولكن المشكلة هي في كيفية التعامل مع هذه القداسة، وما ينبني عليها من العمل.
   فالمشكلة إذا هي مشكلة نفسية أو فكرية لدى المسلم، لا في ذات تقديسه للقرآن.
   العلاج :
   أول إجراء يجب اتخاذه في سبيل علاج تلك المشكلة هي أن يدرك المسلم أن قداسة القرآن لا تتعلق بحروف القرآن. بل إن القداسة القرآنية تنبثق من مجموعة من الأمور الجليلة في القرآن، وإن حروف القرآن أو نصوصه العربية المجردة هي واحدة من هذه الأمور وليست هي كل الأمور العظيمة الجليلة، فكيف إذا نكون معظمين للقرآن ونحن لا ندري منه سوى أن نقرأ حروفه أو نصوصه دون أن يكون لنا فهم وتدبر فيه؟
   إذا نقول لمن يعظمون القرآن ويقدمونه، إن تقديمكم للقرآن ناقص؛ لأن القرآن الكريم قد أنزله الله تعالى لنعمل به وليكون دستورا في كافة مناحي الحياة وليكون حاكما في الناس ..
   (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله) [النساء:105]
   وأنزله الله للتدبر والاتعاظ..
   (كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب) [ص:29]
   فلأجل هذا أنزل الله الكتاب، فيكون تعظيم الكتاب ناقصا نقصا خطيرا لو اقتصرنا فيه على التلاوة دون الفهم؛ لأنه على خلاف الغاية التي من أجلها أنزل الله تعالى القرآن؛ فقد أنزله للتدبر، وليحكم بين الناس.
   ولم ينزل الله تعالى القرآن لنزين به الأرفف!.. ولا ليوضع على تابلوهات السيارات حتى تأكله الشمس ويتغير لونه بسبب طول تعرضه للشمس!.. ولم ينزل الله تعالى القرآن لنستعرض أجمل طبعاته وزخارفه ..إلخ هذه الأمور التي تعكس تعظيما للقرآن بالفعل، ولكنه تعظيم لا يسمن ولا يغني من جوع لو كان في مقابله أن نهمل تدبر القرآن ونترك تحكيمه في حياتنا.
   ولقد رأينا بعض المستشرقين الألمان من النصارى وهم يعظمون الكتب السماوية وعلى رأسها القرآن، فلا يضعون أقلامهم في المصحف، في حين أنهم يشوهون كتبهم الأخرى بأقلامهم أثناء دراستهم من كتابة تعليق  أو رمز ..إلخ مما يمكن وضعه على أي كتاب، فهل يعد هذا التعظيم شيئا في حقهم وهم باقون على كفرهم؟
   إن الامتثال هو أعلى صور التعظيم، وهذا الامتثال لن يكون ممكنا إلا  إذا سبقه فهم وتدبر كما هو واضح.
   إذا عرف المسلم ذلك، فهنا يجب عليه أن يتخذ طريقة عكسية في التفكير؛عليه أن يستغل هذا التعظيم في التحمس لفهم القرآن، لقد قلنا إن القرآن ينبع تعظيمه من ألفاظه ومعانيه لا من ألفاظه فقط، وهذا كما أنه يدفع لقراءة حروف القرآن ويدفع لتعظيمه ووضعه على رف جميل وحفظه عن الأتربة، فإنه يدفع كذلك إلى تدبر معانيه.
فختاما، نقول للمسلمين: لا يكفي مجرد أنكم تعظمون المصحف وتقدسون كلام الله تعالى، فهذا تعظيم ناقص، ويكون أفضل وأعلى مراتب  التعظيم هو أن نتدبر هذا القرآن، ونمتثل له..
   فواجبكم هو تدبر معاني القرآن، ويساعد على ذلك القراءة في كتب التفسير السهلة التي توضح المعاني المباشرة كمختصر تفسير ابن كثير للصابوني.
   كذلك ننصح أن يحصل المسلم على هذا الكتاب الصغير الجميل، المسمى (كلمات القرآن تفسير وبيان) للشيخ حسنين مخلوف، فهو قاموس صغير جميل، يبين معاني الكلمات القرآنية في سهولة كبيرة، وهو على صغر حجمه نافع جدا، وحجمه الصغير لايوحي بمقدار فائدته الكبيرة.
   كما ننصح قارئ القرآن بنصيحة غالية؛ وهي أن يحاول أن يفهم القرآن أولا بجهده الذاتي، وأن يبذل جهده أولا في محاولة استيعاب المعاني القرآنية الرئيسية. ويساعده في ذلك أن يتصور أن القرآن هو خطاب من الله تعالى إليه ، فإن الذين قد تكلموا في معاني القرآن كلاما حسنا يؤثر في القلوب هم قد قرأوا القرآن واستمعوا إليه على هذا الوجه، على أنه كلام من الله تعالى إليهم مباشرة.
   ولعل ذلك من أسرار التأثر الكبير الذي يحدث في النفوس حين القراءة في كتاب (في ظلال القرآن) للأستاذ سيد قطب رحمه الله، فقد قال في أول الكتاب:
   ( الحياة في ظلال القرآن نعمة. نعمة لا يعرفها إلا من ذاقها. نعمة ترفع العمر وتباركه وتزكيه .
   والحمد لله.. لقد منَّ علي بالحياة في ظلال القرآن فترة من الزمان، ذقت فيها من نعمته ما لم أذق قط في حياتي. ذقت فيها هذه النعمة التي ترفع العمر وتباركه وتزكيه.
   لقد عشت أسمع الله - سبحانه - يتحدث إلي بهذا القرآن.. أنا العبد القليل الصغير.. أي تكريم للإنسان هذا التكريم العلوي الجليل؟ أي رفعة للعمر يرفعها هذا التنزيل ؟
   أي مقام كريم تفضل به على الإنسان خالقه الكريم؟ ) ا.هـ
   فإذا بذل الإنسان جهده في ذلك فإنه يكون قد تمرّن على أن يفهم القرآن، وهنا سيستفيد إن شاء الله استفادة كبيرة من مطالعة كتب التفسير.
   وهذا الكلام لا يعني أن نفتح الباب لكل شخص بحيث يقول في القرآن برأيه الخاص بقطع النظر عن تفسير أهل القرآن، ولكن هي جهود لابد من بذلها في سبيل استرجاع القدر الرئيسي والضروري من تعامل الإنسان مع كتاب الله تعالى.
   هناك قدر كبير من القرآن هو ميسر لكل أحد يعرف العربية معرفة ضعيفة أو متوسطة، وهذا القدر لا يصح فيه أن يقول: لا أفهم حتى أقرأ كتب التفسير!
   فمثلا: في قوله تعالى (ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص ‏من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين) [البقرة:155]
   هل يحتاج أي مسلم إلى الرجوع إلى المفسرين أو كتب التفسير ليعلم أن ما أصابه الله به من الفقر والخوف الذي يمر به هو من سنن الله تعالى وأنه لو صبر على ذلك فإنه يكون ممن يبشرهم الله تعالى بالخير؟
   فالقرآن بالقدر الذي يعني كل مسلم لابد أن يكون زاده اليومي، وينبغي أن نرى المصاحف في أيدي المسلمين، في الشوارع والمتنزهات والمنتديات، وفي التجمعات العائلية وتجمعات الأصدقاء والمعارف.. فنرى التدارسات بين المسلمين حول آيات القرآن، وإن لعموم المسلمين مقدارا كبيرا جدا من القرآن تستوعبه أذهانهم وقدراتهم العادية أو البسيطة، وليست كل الآيات في القرآن هي كآيات الأحكام.
   بل إن حتى آيات الحكام في القرآن الكريم لها وجهان:
   وجه ظاهر المعاني : وهو الأحكام المباشرة الواضحة. وهذا يشترك فيه كل الناس.
   ووجه اجتهادي استنباطي دقيق : وهو تفاصيل الأحكام الاجتهادية. وهذا من شأن أهل الفقه والأصول - أي أصول الفقه – فالمرجع فيه إلى الفقهاء (وهم غير موجودين في زماننا تقريبا).
   فالشخص العادي إذا له مساحة في القرآن، ثم تأتي مساحة التخصص لأهل التخصص، من حيث دقائق المسائل ودقائق اللغة ..إلخ.
   فمثلا قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) [المائدة:6] يفهم كل قارئ للقرآن أنها في أركان الوضوء، وأن غسل الوجه وغسل اليدين إلى المرفقين وغسل القدمين إلى الكعبين ومسح الرأس هي أركان الوضوء.. فهذا يفهمه كل مسلم قارئ للقرآن. أما ما هو مقدار مسح الرأس.. وأن الرأس مجملة وبينتها السنة.. أو هي كل الرأس مذكورة ابتداء في الآية.. وهل يجب الترتيب أم لا.. وكون حرف الواو يفيد مطلق الجمع ولا يفيد الترتيب.. إلخ، فهذا من شأن المتخصصين .
   وهكذا.. يجعل الله تعالى لكل المسلمين نصيبا من القرآن، فلا تضيع نصيبك منه.. أيها المسلم !

مقدمة / الموانع الفكرية الخمسة التي تحول دون فهم القرآن



بقلم / راعي المصحف
محمـــد يوسف رشيـــد


مقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
   الحمد لله رب العالمين ، الحمد لله حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيده، لك الحمد ربنا كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، نحمدك ربنا لانحصي ثناء عليك؛ أنت كما أثنيت على نفسك ، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
   وبعد...
   فربما كان حالنا مع القرآن - نحن المسلمين المعاصرين – لا يحتاج إلى كبير توضيح، فهو حال يظهر للمسلمين ولغير المسلمين على السواء؛ إن أي إنسان غربي أو أي إنسان غير مسلم، إذا قرأ القرآن ففهمه أو قرأ ترجمته ثم نظر في حال المسلمين، فإنه يستطيع أن يجزم من لحظته بمخالفة المسلمين لقرآنهم، وبأنهم لا يتخذونه دستورا تقوم عليه كافة فعاليات حياتهم، فهذا أمر جلي وواضح لا يحتاج إلى بيان.
   إنما الذي يحتاج منا إلى بيان هو أن ليس كل المسلمين في عصرنا تنعزل حياتهم عن القرآن نتيجة لضعف الإيمان والرغبة في عدم التقيد بالكتاب العظيم! .. فهناك أعداد كبيرة جدا من المسلمين تكون ديانتهم ورغباتهم جاهزة لاستقبال أحكام القرآن بحيث يحيون به، ويكون لهم نورا يمشون به في الناس. وإنما الذي يحول بينهم وبين ذلك موانع أخرى ليست هي الرغبة عنه والزهد فيه.
   وإن هذه الأسباب التي تمنع هذه الفئة من المسلمين من العيش بالقرآن، هي موضوع هذا الكتاب الذي بين  يديك.
   إنني لا أتناول في هذا الكتاب الصغير قضية عقيدية أو إيمانية أو دعوية، بحيث تتعلق بالرغبة في القرآن أو الرغبة عنه، أو تتعلق بقناعة المسلمين تجاه تطبيقه في حياتهم؛ إنني في هذا الكتاب أخاطب شرائح خاصة من المسلمين خطابا موجها، وهم شريحة المؤمنين الجادين في فهم القرآن وتطبيقه في حياتهم، ولكن تحول دون ذلك موانع خاصة ، فتبدو حياتهم في ظاهرها خالية من نور القرآن كحياة من يرفضون القرآن سواء بسواء!
   إنه لما أكرمني الله تعالى بالانشغال بالقرآن العظيم، وبمسؤولية تفهيمه للناس والعناية بالعلاقات الفكرية والذهنية بينهم وبينه، وقفت بالتأمل على أسباب خمسة منعت المخلصين من فهم القرآن، وبزيادة التأمل ما استطعت - حتى هذه اللحظة - أن أقف على أسباب غير تلك الخمسة، فأية صورة هي تعود في النهاية إلى سبب من هذه الأسباب :
   السبب الأول ، وأسميته : التقديس الذاتي للقرآن.
   السبب الثاني ، وأسميته : فضل القراءة المجردة للقرآن.
   السبب الثالث ، وأسميته : التأثر الذاتي بألفاظ القرآن.
   السبب الرابع ، وأسميته : طغيان مبدأ التخصص.
   السبب الخامس ، وأسميته : عدم الوعي بأسلوب القرآن.
   وإنه قد تبدو عناوين هذه الأسباب غير واضحة حتى تلك اللحظة، وهذا لا مشكلة فيه الآن إن شاء الله، فالمهم أن نفهم ما يأتي من محتويات هذه الأسباب، فإن فهمنا المحتويات استطعنا – بتوفيق الله تعالى ومشيئته – أن نستعمل هذه العناوين استعمالا جيدا، حيث نتذكر بها المحتوى والموضوع، ونحدث بها الناس، وأن نستعين بالله تعالى في بيان هذه الأسباب وكيفية إزالتها، مستهدفين من ذلك أن نزيل العوائق بين المسلمين المخلصين وبين قرآنهم، بعد إزالتها بيننا نحن أنفسنا وبين قرآننا.
   وأخيرا، فقد وددت لو نبهت إخواننا الدعاة إلى أمر هو في الغاية من الخطورة، فأقول لهم: إن موقف الناس تجاه القرآن ليس هو ثنائي القسمة كما جرت حساباتكم، بحيث يكون الناس إما محبا للقرآن يحيا به ويطبقه في حياته، وإما يكون مهملا له غير عابئ به ولا يوقره. بل هناك من الناس أعداد كبيرة تشكل قسما ثالثا؛ وهم الذين يقدرون القرآن ويرغبون إلى أن تكون حياتهم قائمة عليه، ولكن تمنعهم من الموانع الخمسة أو بعضها. وهذا القسم من الناس هم من أوجه إليهم هذا الكتاب الصغير، وهم في الحقيقة ليسوا قليلين، بل هم كثيرون جدا، ربما يشكلون شريحة كبيرة من جماهير المسلمين.
   لابد من الإقرار بوجود تلك الفئة، ولابد من مراعاتها حين دعوتها أو حين الرغبة في ممارسة الإصلاح معها؛ لأنه لا يليق بنا أن ندعوهم على أساس كونهم مناوئين للقرآن راغبين عنه.
   والحمد لله رب العلمين، والصلاة والسلام على أشرف النبيين والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين .